فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 4314

و ما ذكرناه هو المناسب لما ذكروا في سبب النزول: أن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة فإن هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة واستقراره فيها لما قارن الاستقبال التام من مؤمني الأنصار للدين الإلهي وقيامهم لنصرة رسول الله بالأموال والأنفس ، وترك المؤمنين من المهاجرين الأهلين والبنين والأموال والأوطان في جنب الله ولحوقهم برسوله كان هو الموقع الذي يناسب أن يقع فيه حمد من الله سبحانه لإجابتهم دعوة نبيه بالسمع والقبول ، وشكر منه لهم ، هذا ، ويدل عليه بعض الدلالة آخر الآية: أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين فإن الجملة يومىء إلى أن سؤالهم هذا كان في أوائل ظهور الإسلام.

وفي الآية من الإجمال والتفصيل ، والإيجاز ثم الإطناب ، وأدب العبودية وجمع مجامع الكمال والسعادة عجائب.

قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ، تصديق لإيمان الرسول والمؤمنين ، وإنما أفرد رسول الله عنهم بالإيمان بما أنزل إليه من ربه ثم ألحقهم به تشريفا له ، وهذا دأب القرآن في الموارد التي تناسب التشريف أن يكرم النبي بإفراده وتقديم ذكره ثم اتباع ذلك بذكر المؤمنين كقوله تعالى:"فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:"الفتح - 26 ، وقوله تعالى:"يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا:"التحريم - 8.

قوله تعالى: كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، تفصيل للإجمال الذي تدل عليه الجملة السابقة ، فإن ما أنزل إلى رسول الله يدعو إلى الإيمان وتصديق الكتب والرسل والملائكة الذين هم عباد مكرمون ، فمن آمن بما أنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد آمن بجميع ذلك ، كل على ما يليق به.

قوله تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله ، حكاية لقولهم من دون توسيط لفظ القول ، وقد مر في قوله تعالى:"و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم:"البقرة - 127 ، النكتة العامة في هذا النحو من الحكاية ، وأنه من أجمل السياقات القرآنية ، والنكتة المختصة بالمقام مضافا إلى أن فيه تمثيلا لحالهم وقالهم أن هذا الكلام إنما هو كلام منتزع من خصوص حالهم في الإيمان بما أنزل الله تعالى ، فهم لم يقولوه إلا بلسان حالهم ، وإن كانوا قالوه فقد قاله كل منهم وحده وفي نفسه ، وأما تكلمهم به لسانا واحدا فليس إلا بلسان الحال.

ومن عجيب أمر السياق في هذه الآية ما جمع بين قولين محكيين منهم مع التفرقة في نحو الحكاية أعني قوله تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا"إلخ"، حيث حكى البعض من غير توسيط القول والبعض الآخر بتوسيطه ، وهما جميعا من قول المؤمنين في إجابة دعوة الداعي.

والوجه في هذه التفرقة أن قولهم: لا نفرق"إلخ"مقول لهم بلسان حالهم بخلاف قولهم: سمعنا وأطعنا.

وقد بدأ تعالى بالإخبار عن حال كل واحد منهم على نعت الأفراد فقال: كل آمن بالله ثم عدل إلى الجمع فقال: لا نفرق بين أحد إلى آخر الآيتين ، لأن الذي جرى من هذه الأمور في أهل الكتاب كان على نعت الجمع كما أن اليهود فرقت بين موسى وبين عيسى ومحمد ، والنصارى فرقت بين موسى وعيسى ، وبين محمد فانشعبوا شعبا وتحزبوا أحزابا وقد كان الله تعالى خلقهم أمة واحدة على الفطرة ، وكذلك المؤاخذة والحمل والتحميل الواقع عليهم إنما وقعت على جماعتهم ، وكذلك ما وقع في آخر الآية من سؤال النصرة على الكافرين ، كل ذلك أمر مرتبط بالجماعة دون الفرد ، بخلاف الإيمان فإنه أمر قائم بالفرد حقيقة.

قوله تعالى: وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ، قولهم سمعنا وأطعنا ، إنشاء وليس بإخبار وهو كناية عن الإجابة إيمانا بالقلب وعملا بالجوارح ، فإن السمع يكنى به لغة عن القبول والإذعان.

والإطاعة تستعمل في الانقياد بالعمل فمجموع السمع والإطاعة يتم به أمر الإيمان.

وقولهم سمعنا وأطعنا إيفاء لتمام ما على العبد من حق الربوبية في دعوتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت