قوله تعالى: وما يذكر إلا أولوا الألباب ، اللب هو العقل لأنه في الإنسان بمنزلة اللب من القشر ، وعلى هذا المعنى استعمل في القرآن ، وكان لفظ العقل بمعناه المعروف اليوم من الأسماء المستحدثة بالغلبة ولذلك لم يستعمل في القرآن وإنما استعمل منه الأفعال مثل يعقلون.
والتذكر هو الانتقال من النتيجة إلى مقدماتها ، أو من الشيء إلى نتائجها ، والآية تدل على أن اقتناص الحكمة يتوقف على التذكر ، وأن التذكر يتوقف على العقل ، فلا حكمة لمن لا عقل له.
وقد مر بعض الكلام في العقل عند البحث عن ألفاظ الإدراك المستعملة في القرآن الكريم.
قوله تعالى: وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ، أي ما دعاكم الله سبحانه إليه أو دعوتم أنفسكم إليه بإيجابه عليها بالنذر من بذل المال فلا يخفى على الله يثيب من أطاعه ويؤاخذ من ظلم ، ففيه إيماء إلى التهديد ، ويؤكده قوله تعالى: وما للظالمين من أنصار.
وفي هذه الجملة أعني قوله: وما للظالمين من أنصار ، دلالة أولا: على أن المراد بالظلم هو الظلم على الفقراء والمساكين في الإمساك عن الإنفاق عليهم ، وحبس حقوقهم المالية ، لا الظلم بمعنى مطلق المعصية فإن في مطلق المعصية أنصارا ومكفرات وشفعاء كالتوبة ، والاجتناب عن الكبائر ، وشفعاء يوم القيامة إذا كان من حقوق الله تعالى ، قال تعالى:"لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إلى أن قال: وأنيبوا إلى ربكم:"الزمر - 54 ، وقال تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:"النساء - 31 ، وقال تعالى:"و لا يشفعون إلا لمن ارتضى:"الأنبياء - 28 ، ومن هنا يظهر: وجه إتيان الأنصار بصيغة الجمع فإن في مورد مطلق الظلم أنصارا.
وثانيا: أن هذا الظلم وهو ترك الإنفاق لا يقبل التكفير ولو كان من الصغائر لقبله فهو من الكبائر ، وأنه لا يقبل التوبة ، ويتأيد بذلك ما وردت به الروايات: أن التوبة في حقوق الناس غير مقبولة إلا برد الحق إلى مستحقه ، وأنه لا يقبل الشفاعة يوم القيامة كما يدل عليه قوله تعالى:"إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين إلى أن قال: فما تنفعهم شفاعة الشافعين:"المدثر - 48.
وثالثا: أن هذا الظالم غير مرتضى عند الله إذ لا شفاعة إلا لمن ارتضى الله دينه كما مر بيانه في بحث الشفاعة ، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ، حيث أتى بالمرضاة ولم يقل ابتغاء وجه الله.
ورابعا: أن الامتناع من أصل إنفاق المال على الفقراء مع وجودهم واحتياجهم من الكبائر الموبقة ، وقد عد تعالى الامتناع عن بعض أقسامه كالزكاة شركا بالله وكفرا بالآخرة ، قال تعالى:"ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم كافرون:"فصلت - 7 ، والسورة مكية ولم تكن شرعت الزكاة المعروفة عند نزولها.
قوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي"إلخ"، الإبداء هو الإظهار ، والصدقات جمع صدقة ، وهي مطلق الإنفاق في سبيل الله أعم من الواجب والمندوب وربما يقال: إن الأصل في معناها الإنفاق المندوب.
وقد مدح الله سبحانه كلا من شقي الترديد ، لكون كل واحد من الشقين ذا آثار صالحة ، فأما إظهار الصدقة فإن فيه دعوة عملية إلى المعروف ، وتشويقا للناس إلى البذل والإنفاق ، وتطييبا لنفوس الفقراء والمساكين حيث يشاهدون أن في المجتمع رجالا رحماء بحالهم ، وأموالا موضوعة لرفع حوائجهم ، مدخرة ليوم بؤسهم فيؤدي إلى زوال اليأس والقنوط عن نفوسهم ، وحصول النشاط لهم في أعمالهم ، واعتقاد وحدة العمل والكسب بينهم وبين الأغنياء المثرين ، وفي ذلك كل الخير ، وأما إخفاؤها فإنه حينئذ يكون أبعد من الرياء والمن والأذى ، وفيه حفظ لنفوس المحتاجين عن الخزي والمذلة ، وصون لماء وجوههم عن الابتذال ، وكلاءة لظاهر كرامتهم ، فصدقة العلن أكثر نتاجا ، وصدقة السر أخلص طهارة.
ولما كان بناء الدين على الإخلاص وكان العمل كلما قرب من الإخلاص كان أقرب من الفضيلة رجح سبحانه جانب صدقة السر فقال: وإن تخفوها وتعطوها الفقراء فهو خير لكم فإن كلمة خير أفعل التفضيل ، والله تعالى خبير بأعمال عباده لا يخطىء في تمييز الخير من غيره ، وهو قوله تعالى: والله بما تعملون خبير.