و من هنا يظهر: وجه عدم أخذه (عليه السلام) في حجته مسألة احتياج العالم بأسره إلى الصانع الفاطر للسماوات والأرض كما أخذ به في استبصار نفسه في بادي أمره على ما يحكيه الله عنه بقوله: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين:"الأنعام - 79 ، فإن القوم على اعترافهم بذلك بفطرتهم إجمالا كانوا أنزل سطحا من أن يعقلوه على ما ينبغي أن يعقل عليه بحيث ينجح احتجاجه ويتضح مراده (عليه السلام) ، وناهيك في ذلك ما فهموه من قوله: ربي الذي يحيي ويميت."
قوله تعالى: قال أنا أحيي وأميت ، أي فأنا ربك الذي وصفته بأنه يحيي ويميت.
قوله تعالى: قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ، لما أيس (عليه السلام) من مضي احتجاجه بأن ربه الذي يحيي ويميت ، لسوء فهم الخصم وتمويهه وتلبيسه الأمر على من حضر عندهما عدل عن بيان ما هو مراده من الإحياء والإماتة إلى حجة أخرى ، إلا أنه بنى هذه الحجة الثانية على دعوى الخصم في الحجة الأولى كما يدل عليه التفريع بالفاء في قوله: فإن الله"إلخ"، والمعنى: إن كان الأمر كما تقول: إنك ربي ومن شأن الرب أن يتصرف في تدبير أمر هذا النظام الكوني فالله سبحانه يتصرف في الشمس بإتيانها من المشرق فتصرف أنت بإتيانها من المغرب حتى يتضح أنك رب كما أن الله رب كل شيء أو أنك الرب فوق الأرباب فبهت الذي كفر ، وإنما فرع الحجة على ما تقدمها لئلا يظن أن الحجة الأولى تمت لنمرود وأنتجت ما ادعاه ، ولذلك أيضا قال: فإن الله ولم يقل: فإن ربي لأن الخصم استفاد من قوله: ربي سوءا وطبقه على نفسه بالمغالطة فأتى (عليه السلام) ثانيا بلفظة الجلالة ليكون مصونا عن مثل التطبيق السابق! وقد مر بيان أن نمرود ما كان يسعه أن يتفوه في مقابل هذه الحجة بشيء دون أن يبهت فيسكت.
قوله تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين ، ظاهر السياق أنه تعليل لقوله فبهت الذي كفر فبهته هو عدم هداية الله سبحانه إياه لا كفره ، وبعبارة أخرى معناه أن الله لم يهده فبهت لذلك ولو هداه لغلب على إبراهيم في الحجة لا أنه لم يهده فكفر لذلك وذلك لأن العناية في المقام متوجهة إلى محاجته إبراهيم (عليه السلام) لا إلى كفره وهو ظاهر.
ومن هنا يظهر: أن في الوصف إشعارا بالعلية أعني: أن السبب لعدم هداية الله الظالمين هو ظلمهم كما هو كذلك في سائر موارد هذه الجملة من كلامه تعالى كقول:"و من أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين:"الصف - 7 ، وقوله:"مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين:"الجمعة - 5 ، ونظير الظلم الفسق في قوله تعالى:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين:"الصف - 5.
وبالجملة الظلم وهو الانحراف عن صراط العدل والعدول عما ينبغي من العمل إلى غير ما ينبغي موجب لعدم الاهتداء إلى الغاية المقصودة ، ومؤد إلى الخيبة والخسران بالأخرة ، وهذه من الحقائق الناصعة التي ذكرها القرآن الشريف وأكد القول فيها في آيات كثيرة.
كلام في الإحسان وهدايته والظلم وإضلاله
هذه حقيقة ثابتة بينها القرآن الكريم كما ذكرناه آنفا وهي كلية لا تقبل الاستثناء وقد ذكرها بالسنة مختلفة ، وبنى عليها حقائق كثيرة من معارفه ، قال تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:"طه - 50 ، دل على أن كل شيء بعد تمام خلقه يهتدي بهداية من الله سبحانه إلى مقاصد وجوده وكمالات ذاته ، وليس ذلك إلا بارتباطه مع غيره من الأشياء واستفادته منها بالفعل والانفعال بالاجتماع والافتراق والاتصال والانفصال والقرب والبعد والأخذ والترك ونحو ذلك ، ومن المعلوم أن الأمور التكوينية لا تغلط في آثارها ، والقصود الواقعية لا تخطي ولا تخبط في تشخيص غاياتها ومقاصدها ، فالنار في مسها الحطب مثلا وهي حارة لا تريد تبريده ، والنامي كالنبات مثلا وهو نام لا يقصد إلا عظم الحجم دون صغره وهكذا ، وقد قال تعالى:"إن ربي على صراط مستقيم:"هود - 56 ، فلا تخلف ولا اختلاف في الوجود.