و بالجملة قوله:"أ رأيت"بمعنى أخبرني ، والاستفهام للتعجيب ، والمفعول الأول لقوله:"أ رأيت"الأول قوله:"الذي ينهى"ولأرأيت الثالث ضمير عائد إلى الموصول ، ولأرأيت الثاني ضمير عائد إلى قوله:"عبدا"والمفعول الثاني لأرأيت في المواضع الثلاث قوله:"أ لم يعلم بأن الله يرى".
ومحصل معنى الآيات أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى وعبد الله الناهي يعلم أن الله يرى ما يفعله كيف يكون حاله.
أخبرني عن هذا الناهي إن كان ذاك العبد المصلي على الهدى أو أمر بالتقوى كيف يكون حال هذا الناهي وهو يعلم أن الله يرى.
أخبرني عن هذا الناهي أن تلبس بالتكذيب للحق والتولي عن الإيمان به ونهي العبد المصلي عن الصلاة وهو يعلم أن الله يرى؟ هل يستحق إلا العذاب؟.
وقيل: المفعول الأول لأرأيت في جميع المواضع الثلاث هو الموصول أو الضمير العائد إليه تحرزا عن التفكيك بين الضمائر.
والأولى على هذا أن يجعل معنى قوله:"أ رأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى"أخبرني عن هذا الناهي إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى وهو يعلم أن الله يرى ما ذا كان يجب عليه أن يفعله ويأمر به؟ وكيف يكون حاله وقد نهى عن عبادة الله سبحانه؟ وهو مع ذلك معنى بعيد ولا بأس بالتفكيك بين الضمائر مع مساعدة السياق وإعانة القرائن.
وقوله:"أ لم يعلم بأن الله يرى"المراد به العلم على طريق الاستلزام فإن لازم الاعتقاد بأن الله خالق كل شيء هو الاعتقاد بأن له علما بكل شيء وإن غفل عنه وقد كان الناهي وثنيا مشركا والوثنية معترفون بأن الله هو خالق كل شيء وينزهونه عن صفات النقص فيرون أنه تعالى لا يجهل شيئا ولا يعجز عن شيء وهكذا.
قوله تعالى:"كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة"قال في المجمع ،: والسفع الجذب الشديد يقال: سفعت بالشيء إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا.
انتهى ، وفي توصيف الناصية بالكذب والخطإ وهما وصفا صاحب الناصية مجاز.
وفي الكلام ردع وتهديد شديد ، والمعنى ليس الأمر كما يقول ويريد أو ليس له ذلك.
أقسم لئن لم يكف عن نهيه ولم ينصرف لنأخذن بناصيته أخذ الذليل المهان ونجذبنه إلى العذاب تلك الناصية التي صاحبها كاذب فيما يقول خاطىء فيما يفعل ، وقيل: المعنى لنسمن ناصيته بالنار ونسودنها.
قوله تعالى:"فليدع نادية سندع الزبانية"النادي المجلس وكان المراد به أهل المجلس أي الجمع الذين يجتمع بهم ، وقيل: الجليس ، والزبانية الملائكة الموكلون بالنار ، وقيل: الزبانية في كلامهم الشرط ، والأمر تعجيزي أشير به إلى شدة الأخذ والمعنى فليدع هذا الناهي جمعه لينجوه منا سندع الزبانية الغلاظ الشداد الذين لا ينفع معهم نصر ناصر.
قوله تعالى:"كلا لا تطعه واسجد واقترب"تكرار الردع للتأكيد ، وقوله:"لا تطعه"أي لا تطعه في النهي عن الصلاة وهي القرينة على أن المراد بالسجود الصلاة ، ولعل الصلاة التي كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي بها يومئذ كانت تسبيحه تعالى والسجود له وقيل: المراد به السجود لقراءة هذه السورة التي هي إحدى العزائم الأربع في القرآن.
والاقتراب التقرب إلى الله ، وقيل: الاقتراب من ثواب الله تعالى.