فهرس الكتاب

الصفحة 4258 من 4314

و قوله:"و إن لنا للآخرة والأولى"أي عالم البدء وعالم العود فكل ما يصدق عليه أنه شيء فهو مملوك له تعالى بحقيقة الملك الذي هو قيام وجوده بربه القيوم ويتفرع عليه الملك الاعتباري الذي من آثاره جواز التصرفات.

فهو تعالى يملك كل شيء من كل جهة فلا يملك شيء منه شيئا فلا معارض يعارضه ولا مانع يمنعه ولا شيء يغلبه كما قال:"و الله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41 وقال:"و الله غالب على أمره": يوسف: 21 ، وقال:"و يفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27.

قوله تعالى:"فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى"تفريع على ما تقدم أي إذا كان الهدى علينا فأنذرتكم نار جهنم وبذلك يوجه ما في قوله:"فأنذرتكم"من الالتفات عن التكلم مع الغير إلى التكلم وحده أي إذا كان الهدى مقضية محتومة فالمنذر بالأصالة هو الله وإن كان بلسان رسوله.

وتلظى النار تلهبها وتوهجها ، والمراد بالنار التي تتلظى جهنم كما قال تعالى:"كلا إنها لظى": المعارج: 15.

والمراد بالأشقى مطلق الكافر الذي يكفر بالتكذيب والتولي فإنه أشقى من سائر من شقي في دنياه فمن ابتلي في بدنه شقي ومن أصيب في ماله أو ولده مثلا شقي ومن خسر في أمر آخرته شقي والشقي في أمر آخرته أشقى من غيره لكون شقوته أبدية لا مطمع في التخلص منها بخلاف الشقوة في شأن من شئون الدنيا فإنها مقطوعة لا محالة مرجوة الزوال عاجلا.

فالمراد بالأشقى هو الكافر المكذب بالدعوة الحقة المعرض عنها على ما يدل عليه توصيفه بقوله:"الذي كذب وتولى"ويؤيده إطلاق الإنذار ، وأما الأشقى بمعنى أشقى الناس كلهم فمما لا يساعد عليه السياق البتة.

والمراد بصلي النار اتباعها ولزومها فيفيد معنى الخلود وهو مما قضى الله به في حق الكافر ، قال تعالى:"و الذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة: 39.

وبذلك يندفع ما قيل: إن قوله:"لا يصلاها إلا الأشقى"ينفي عذاب النار عن فساق المؤمنين على ما هو لازم القصر في الآية ، وجه الاندفاع أن الآية إنما تنفي عن غير الكافر الخلود فيها دون أصل الدخول.

قوله تعالى:"و سيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى"التجنيب التبعيد ، وضمير"سيجنبها"للنار ، والمعنى سيبعد عن النار الأتقى.

والمراد بالأتقى من هو أتقى من غيره ممن يتقي المخاطر فهناك من يتقي ضيعة النفوس كالموت والقتل ومن يتقي فساد الأموال ومن يتقي العدم والفقر فيمسك عن بذل المال وهكذا ومنهم من يتقي الله فيبذل المال ، وأتقى هؤلاء الطوائف من يتقي الله فيبذل المال لوجهه وإن شئت فقل يتقي خسران الآخرة فيتزكى بالإعطاء.

فالمفضل عليه للأتقى هو من لا يتقي بإعطاء المال وإن اتقى سائر المخاطر الدنيوية أو اتقى الله بسائر الأعمال الصالحة.

فالآية عامة بحسب مدلولها غير خاصة ويدل عليه توصيف الأتقى بقوله:"الذي يؤتي ماله"إلخ وهو وصف عام وكذا ما يتلوه ، ولا ينافي ذلك كون الآيات أو جميع السورة نازلة لسبب خاص كما ورد في أسباب النزول.

وأما إطلاق المفضل عليه بحيث يشمل جميع الناس من طالح أو صالح ولازمه انحصار المفضل في واحد مطلقا أو واحد في كل عصر ، ويكون المعنى وسيجنبها من هو أتقى الناس كلهم وكذا المعنى في نظيره: لا يصلاها إلا أشقى الناس كلهم فلا يساعد عليه سياق آيات صدر السورة ، وكذا الإنذار العام الذي في قوله:"فأنذرتكم نارا تلظى"فلا معنى لأن يقال: أنذرتكم جميعا نارا لا يخلد فيها إلا واحد منكم جميعا ولا ينجو منها إلا واحد منكم جميعا.

وقوله:"الذي يؤتي ماله يتزكى"صفة للأتقى أي الذي يعطي وينفق ماله يطلب بذلك أن ينمو نماء صالحا.

وقوله:"و ما لأحد عنده من نعمة تجزى"تقرير لمضمون الآية السابقة أي ليس لأحد عنده من نعمة تجزى تلك النعمة بما يؤتيه من المال وتكافأ وإنما يؤتيه لوجه الله ويؤيد هذا المعنى تعقيبه بقوله:"إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى".

فالتقدير من نعمة تجزى به ، وإنما حذف الظرف رعاية للفواصل ، ويندفع بذلك ما قيل: إن بناء"تجزى"للمفعول لأن القصد ليس لفاعل معين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت