و في استثناء قوله تعالى: إلا من اغترف غرفة بيده عن مطلق الشرب دلالة على أنه كان المنهي عنه هو الشرب على حالة خاصة ، وقد كان الظاهر أن يقال: فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده غير أن وضع قوله تعالى: ومن لم يطعمه فإنه مني ، في الكلام مع تبديل الشرب بالطعم ومعناه الذوق أوجب تحولا في الكلام من جهة المعنى إذ لو لم تضف الجملة الثانية كان مفاد الكلام أن جميع الجنود كانوا من طالوت ، والشرب يوجب انقطاع جمع منه والاغتراف يوجب الانقطاع من المنقطع أي الاتصال وأما لو أضيفت الجملة الثانية ، أعني قوله تعالى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلى الجملة الأولى كان مفاد الكلام أن الأمر غير مستقر بحسب الحقيقة بعد إلا بحسب الظاهر فالجنود في الظاهر مع طالوت لكن لم يتحقق بعد أن الذين هم مع طالوت من هم ، ثم النهر الذي سيبتليهم الله به سيحقق كلا الفريقين ويشخصهما فيعين به من ليس منه وهو من شرب من النهر ، ويتعين به من هو منه وهو من لم يطعمه ، وإذا كان هذا هو المفاد من الكلام لم يفد قوله في الاستثناء إلا من اغترف غرفة بيده كون المغترفين من طالوت لأن ذلك إنما كان مفادا لو كان المذكور هناك الجملة الأولى فقط ، وأما مع وجود الجملتين فيتعين الطائفتان: أعني الذين ليسوا منه وهم الشاربون ، والذين هم منه وهم غير الطاعمين ، ومن المعلوم أن الإخراج من الطائفة الأولى إنما يوجب الخروج منها لا الدخول في الثانية ، ولازم ذلك أن الكلام يوجب وجود ثلاث طوائف: الذين ليسوا منه ، والذين هم منه ، والمغترفون ، وعلى هذا فالباقون معه بعد الجواز طائفتان: الذين هم منه ، والذين ليسوا من الخارجين ، فجاز أن يختلف حالهم في الصبر والجزع والاعتماد بالله والقلق والاضطراب.
قوله تعالى: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه إلى آخر الآية ، الفئة القطعة من الناس ، والتدبر في الآيات يعطي أن يكون القائلون: لا طاقة لنا ، هم المغترفون ، والمجيبون لهم هم الذين لم يطعموه أصلا ، والظن بلقاء الله إما بمعنى اليقين به وإما كناية عن الخشوع.
ولم يقولوا: يمكن أن تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإذن الله ، بل قالوا: كم من فئة"إلخ"، أخذا بالواقع في الاحتجاج بآرائه المصداق ليكون أقنع للخصم.
قوله تعالى: ولما برزوا لجالوت وجنوده"إلخ"، البروز هو الظهور ، ومنه البراز وهو الظهور للحرب ، والإفراغ صب نحو المادة السيالة في القالب والمراد إفاضة الله سبحانه الصبر عليهم على قدر ظرفيتهم فهو استعارة بالكناية لطيفة ، وكذا تثبيت الأقدام كناية عن الثبات وعدم الفرار.
قوله تعالى: فهزموهم بإذن الله"إلخ"، الهزم الدفع.
قوله تعالى: ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض إلى آخر الآية ، من المعلوم أن المراد بفساد الأرض فساد من على الأرض أي فساد الاجتماع الإنساني ولو استتبع فساد الاجتماع فسادا في أديم الأرض فإنما هو داخل في الغرض بالتبع لا بالذات ، وهذه حقيقة من الحقائق العلمية ينبه لها القرآن.
بيان ذلك: أن سعادة هذه النوع لا تتم إلا بالاجتماع والتعاون.
ومن المعلوم أن هذا الأمر لا يتم إلا مع حصول وحدة ما في هيكل الاجتماع بها تتحد أعضاء الاجتماع وأجزاؤه بعضها مع بعض بحيث يعود الجميع كالفرد الواحد يفعل وينفعل عن نفس واحدة وبدن واحد ، والوحدة الاجتماعية ومركبها الذي هو اجتماع أفراد النوع حالهما شبيه حال الوحدة الاجتماعية التي في الكون ومركبها الذي هو اجتماع أجزاء هذا العالم المشهود ، ومن المعلوم أن وحدة هذا النظام أعني نظام التكوين إنما هي نتيجة التأثير والتأثر الموجودين بين أجزاء العالم فلو لا المغالبة بين الأسباب التكوينية وغلبة بعضها على بعض واندفاع بعضها الآخر عنه ومغلوبيتها له لم يرتبط أجزاء النظام بعضها ببعض بل بقي كل على فعليته التي هي له ، وعند ذلك بطل الحركات فبطل عالم الوجود.