فهرس الكتاب

الصفحة 4236 من 4314

و قيل: المراد تنزيه أسمائه تعالى عما لا يليق بأن لا يئول مما ورد منها اسم من غير مقتض ، ولا يبقى على ظاهره إذا كان ما وضع له لا يصح له تعالى ، ولا يطلقه على غيره تعالى إذا كان مختصا كاسم الجلالة ولا يتلفظ به في محل لا يناسبه كبيت الخلاء ، وعلى هذا القياس وما قدمناه من المعنى أوسع وأشمل وأنسب لسياق قوله الآتي"سنقرئك فلا تنسى""و نيسرك لليسرى فذكر"فإن السياق سياق البعث إلى التذكرة والتبليغ فبدأ أولا بإصلاح كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجريده عن كل ما يشعر بجلي الشرك وخفيه بأمره بتنزيه اسم ربه ، ووعد ثانيا بإقرائه بحيث لا ينسى شيئا مما أوحي إليه وتسهيل طريقة التبليغ عليه ثم أمر بالتذكير والتبليغ فافهم.

قوله تعالى:"الذي خلق فسوى"خلق الشيء جمع أجزائه ، وتسويته جعلها متساوية بحيث يوضع كل في موضعه الذي يليق به ويعطى حقه كوضع كل عضو من أعضاء الإنسان فيما يناسبه من الموضع.

والخلق والتسوية وإن كانا مطلقين لكنهما إنما يشملان ما فيه تركيب أو شائبة تركيب من المخلوقات.

والآية إلى تمام أربع آيات تصف التدبير الإلهي وهي برهان على ربوبيته تعالى المطلقة.

قوله تعالى:"و الذي قدر فهدى"أي جعل الأشياء التي خلقها على مقادير مخصوصة وحدود معينة في ذواتها وصفاتها وأفعالها لا تتعداها وجهزها بما يناسب ما قدر لها فهداها إلى ما قدر فكل يسلك نحو ما قدر له بهداية ربانية تكوينية كالطفل يهتدي إلى ثدي أمه والفرخ إلى زق أمه وأبيه ، والذكر إلى الأنثى وذي النفع إلى نفعه وعلى هذا القياس.

قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 ، وقال:"ثم السبيل يسره": عبس: 20 وقال:"لكل وجهة هو موليها": البقرة: 148.

قوله تعالى:"و الذي أخرج المرعى"المرعى ما ترعاه الدواب فالله تعالى هو الذي أخرجها أي أنبتها.

قوله تعالى:"فجعله غثاء أحوى"الغثاء ما يقذفه السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات ، والمراد هنا - كما قيل - اليابس من النبات ، والأحوى الأسود.

وإخراج المرعى لتغذي الحيوان ثم جعله غثاء أحوى من مصاديق التدبير الربوبي ودلائله كما أن الخلق والتسوية والتقدير والهداية كذلك.

قوله تعالى:"سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى"قال في المفردات ،: والقراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل ، وليس يقال ذلك لكل جمع لا يقال: قرأت القوم إذا جمعتهم ، ويدل على ذلك أنه لا يقال للحرف الواحد إذا تفوه به قراءة ، انتهى ، وقال في المجمع ،: والإقراء أخذ القراءة على القارىء بالاستماع لتقويم الزلل ، والقارىء التالي.

انتهى.

وليس إقراؤه تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن مثل إقراء بعضنا بعضا باستماع المقري لما يقرؤه القارىء وإصلاح ما لا يحسنه أو يغلط فيه فلم يعهد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقرأ شيئا من القرآن فلا يحسنه أو يغلط فيه عن نسيان للوحي ثم يقرأ فيصلح بل المراد تمكينه من قراءة القرآن كما أنزل من غير أن يغيره بزيادة أو نقص أو تحريف بسبب النسيان.

فقوله:"سنقرئك فلا تنسى"وعد منه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمكنه من العلم بالقرآن وحفظه على ما أنزل بحيث يرتفع عنه النسيان فيقرؤه كما أنزل وهو الملاك في تبليغ الوحي كما أوحي إليه.

وقوله:"إلا ما شاء الله"استثناء مفيد لبقاء القدرة الإلهية على إطلاقها وأن هذه العطية وهي الإقراء بحيث لا تنسى لا ينقطع عنه سبحانه بالإعطاء بحيث لا يقدر بعد على إنسائك بل هو باق على إطلاق قدرته له أن يشاء إنساءك متى شاء وإن كان لا يشاء ذلك فهو نظير الاستثناء الذي في قوله:"و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ": هود: 108 وقد تقدم توضيحه.

وليس المراد بالاستثناء إخراج بعض أفراد النسيان من عموم النفي والمعنى سنقرئك فلا تنسى شيئا إلا ما شاء الله أن تنساه وذلك أن كل إنسان على هذه الحال يحفظ أشياء وينسى أشياء فلا معنى لاختصاصه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلحن الامتنان مع كونه مشتركا بينه وبين غيره فالوجه ما قدمناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت