فهرس الكتاب

الصفحة 4154 من 4314

و قوله:"شيئا مذكورا"أي شيئا يذكر باسمه في المذكورات أي كان يذكر مثلا الأرض والسماء والبر والبحر وغير ذلك ولا يذكر الإنسان لأنه لم يوجد بعد حتى وجد فقيل: الإنسان فكونه مذكورا كناية عن كونه موجودا بالفعل فالنفي في قوله:"لم يكن شيئا مذكورا"متوجه إلى كونه شيئا مذكورا لا إلى أصل كونه شيئا فقد كان شيئا ولم يكن شيئا مذكورا ويؤيده قوله:"إنا خلقنا الإنسان من نطفة"إلخ فقد كان موجودا بمادته ولم يتكون بعد إنسانا بالفعل والآية وما يتلوها من الآيات واقعة في سياق الاحتجاج يبين بها أن الإنسان حادث يحتاج في وجوده إلى صانع يصنعه وخالق يخلقه ، وقد خلقه ربه وجهزه التدبير الربوبي بأدوات الشعور من السمع والبصر يهتدي بها إلى السبيل الحق الذي من الواجب أن يسلكه مدى حياته فإن كفر فمصيره إلى عذاب أليم وإن شكر فإلى نعيم مقيم.

والمعنى هل أتى - قد أتى - على الإنسان قطعة محدودة من هذا الزمان الممتد - غير المحدود والحال أنه لم يكن موجودا بالفعل مذكورا في عداد المذكورات.

قوله تعالى:"إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا"النطفة في الأصل بمعنى الماء القليل غلب استعماله في ماء الذكور من الحيوان الذي يتكون منه مثله ، وأمشاج جمع مشيج أو المشج بفتحتين أو بفتح فكسر بمعنى المختلط الممتزج ، ووصفت بها النطفة باعتبار أجزائها المختلفة أو اختلاط ماء الذكور والإناث.

والابتلاء نقل الشيء من حال إلى حال ومن طور إلى طور كابتلاء الذهب في البوتقة ، وابتلاؤه تعالى الإنسان في خلقه من النطفة هو ما ذكره في مواضع من كلامه أنه يخلق النطفة فيجعلها علقة والعلقة مضغة إلى آخر الأطوار التي تتعاقبها حتى ينشئه خلقا آخر.

وقيل: المراد بابتلائه امتحانه بالتكليف ، ويدفعه تفريع قوله:"فجعلناه سميعا بصيرا"على الابتلاء ولو كان المراد به التكليف كان من الواجب تفريعه على جعله سميعا بصيرا لا بالعكس ، والجواب عنه بأن في الكلام تقديما وتأخيرا والتقدير إنا خلقناه من نطفة أمشاج فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ، لا يصغى إليه.

وقوله:"فجعلناه سميعا بصيرا"سياق الآيات وخاصة قوله:"إنا هديناه السبيل"إلخ يفيد أن ذكر جعله سميعا بصيرا للتوسل به في التدبير الربوبي إلى غايته وهي أن يرى آيات الله الدالة على المبدإ والمعاد ويسمع كلمة الحق التي تأتيه من جانب ربه بإرسال الرسل وإنزال الكتب فيدعوه البصر والسمع إلى سلوك سبيل الحق والسير في مسير الحياة بالإيمان والعمل الصالح فإن لزم السبيل الذي هدي إليه أداه إلى نعيم الأبد وإلا فإلى عذاب مخلد.

وذكر الإنسان في الآية من وضع الظاهر موضع الضمير والنكتة فيه تسجيل أنه تعالى هو خالقه ومدبر أمره.

والمعنى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة هي أجزاء مختلطة ممتزجة والحال أنا ننقله من حال إلى حال ومن طور إلى طور فجعلناه سميعا بصيرا ليسمع ما يأتيه من الدعوة الإلهية ، ويبصر الآيات الإلهية الدالة على وحدانيته تعالى والنبوة والمعاد.

قوله تعالى:"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا"الهداية بمعنى إراءة الطريق دون الإيصال إلى المطلوب والمراد بالسبيل السبيل بحقيقة معنى الكلمة وهو المؤدي إلى الغاية المطلوبة وهو سبيل الحق.

والشكر استعمال النعمة بإظهار كونها من منعمها وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"و سيجزي الله الشاكرين": آل عمران: 144 إن حقيقة كون العبد شاكرا لله كونه مخلصا لربه ، والكفران استعمالها مع ستر كونها من المنعم.

وقوله:"إما شاكرا وإما كفورا"حالان من ضمير"هديناه"لا من"السبيل"كما قاله بعضهم ، و"إما"يفيد التقسيم والتنويع أي إنا هديناه السبيل حال كونه منقسما إلى الشاكر والكفور أي أنه مهدي سواء كان كذا أو كذلك.

والتعبير بقوله:"إما شاكرا وإما كفورا"هو الدليل أولا: على أن المراد بالسبيل السنة والطريقة التي يجب على الإنسان أن يسلكها في حياته الدنيا لتوصله إلى سعادته في الدنيا والآخرة وتسوقه إلى كرامة القرب والزلفى من ربه ومحصله الدين الحق وهو عند الله الإسلام.

وبه يظهر أن تفسير بعضهم السبيل بسبيل الخروج من الرحم غير سديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت