قوله تعالى:"لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"أي إن الذي دعاهم إلى ما هم عليه متاع الحياة الدنيا الذي هو الأموال والأولاد لكنهم في حاجة إلى التخلص من عذاب خالد لا يقضيها لهم إلا الله سبحانه فهم في فقر إليه لا يغنيهم عنه أموالهم ولا أولادهم شيئا فليؤمنوا به وليعبدوه.
قوله تعالى:"يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء"إلخ ، ظرف لما تقدم من قوله:"أعد الله لهم عذابا شديدا"أو لقوله:"أولئك أصحاب النار"وقوله:"فيحلفون له كما يحلفون لكم"أي يحلفون لله يوم البعث كما يحلفون لكم في الدنيا.
وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين": الأنعام: 23 أن حلفهم على الكذب يوم القيامة مع ظهور حقائق الأمور يومئذ من ظهور ملكاتهم هناك لرسوخها في نفوسهم في الدنيا فقد اعتادوا فيها على إظهار الباطل على الحق بالأيمان الكاذبة وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يبعثون.
ومن هذا القبيل سؤالهم الرد إلى الدنيا يومئذ ، والخروج من النار وخصامهم في النار وغير ذلك مما يقصه القرآن الكريم ، وهم يشاهدون مشاهدة عيان أن لا سبيل إلى شيء من ذلك واليوم يوم جزاء لا يوم عمل.
وأما قوله:"و يحسبون أنهم على شيء"أي مستقرون على شيء يصلح أن يستقر عليه ويتمكن فيه فيمكنهم الستر على الحق والمنع عن ظهور كذبهم بمثل الإنكار والحلف الكاذب.
فيمكن أن يكون قيدا لقوله:"كما يحلفون لكم"فيكون إشارة إلى وصفهم في الدنيا وأنهم يحسبون أن حلفهم لكم ينفعهم ويرضيكم ، ويكون قوله:"ألا إنهم هم الكاذبون"قضاء منه تعالى في حقهم بأنهم كاذبون فلا يصغى إلى ما يهذون به ولا يعتنى بما يحلفون به.
ويمكن أن يكون قيدا لقوله:"فيحلفون له"فيكون من قبيل ظهور الملكات يومئذ كما تقدم في معنى حلفهم آنفا ، ويكون قوله:"ألا إنهم هم الكاذبون"حكما منه تعالى بكذبهم يوم القيامة أو مطلقا.
قوله تعالى:"استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون"الاستحواذ الاستيلاء والغلبة ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين"تعليل لكونهم هم الخاسرين أي إنما كانوا خاسرين لأنهم يحادون الله ورسوله بالمخالفة والمعاندة والمحادون لله ورسوله في جملة الأذلين من خلق الله تعالى.
قيل: إنما كانوا في الأذلين لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر وإذ كانت العزة لله جميعا فلا يبقى لمن حاده إلا الذلة محضا.
قوله تعالى:"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز"الكتابة هي القضاء منه تعالى.
وظاهر إطلاق الغلبة شمولها للغلبة من حيث الحجة ومن حيث التأييد الغيبي ومن حيث طبيعة الإيمان بالله ورسوله.
أما من حيث الحجة فإن الإنسان مفطور على صلاحية إدراك الحق والخضوع له فلو بين له الحق من السبيل التي يألفها لم يلبث دون أن يعقله وإذا عقله اعترفت له فطرته وخضعت له طويته وإن لم يخضع له عملا اتباعا لهوى أو أي مانع يمنعه عن ذلك.
وأما الغلبة من حيث التأييد الغيبي والقضاء للحق على الباطل فيكفي فيها أنواع العذاب التي أنزلها الله تعالى على مكذبي الأمم الماضين كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وعلى آل فرعون وغيرهم ممن يشير تعالى إليهم بقوله:"ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون": المؤمنون: 44 ، وعلى ذلك جرت السنة الإلهية وقد أجمل ذكرها في قوله:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون: يونس: 47."