فهرس الكتاب

الصفحة 3934 من 4314

فمحصل الآية: نحن خلقناكم ونعلم ما فعلنا وما سنفعل بكم فنخبركم أنا سنبعثكم ونجزيكم بما عملتم فهلا تصدقون بما نخبركم به فيما أنزلناه من الكتاب.

وفي الآية وما يتلوها من الآيات التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن السياق سياق التوبيخ والمعاتبة وذلك بالخطاب أوقع وآكد.

قوله تعالى:"أ فرأيتم ما تمنون"الأمناء قذف المني وصبه والمراد قذفه وصبه في الأرحام ، والمعنى: أ فرأيتم المني الذي تصبونه في أرحام النساء.

قوله تعالى:"أ أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون"أي أ أنتم تخلقونه بشرا مثلكم أم نحن خالقوه بشرا.

قوله تعالى:"نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين"تدبير أمر الخلق بجميع شئونه وخصوصياته من لوازم الخلق بمعنى إفاضة الوجود فوجود الإنسان المحدود بأول كينونته إلى آخر لحظة من حياته الدنيا بجميع خصوصياته التي تتحول عليه بتقدير من خالقه عز وجل.

فموته أيضا كحياته بتقدير منه ، وليس يعتريه الموت لنقص من قدرة خالقه أن يخلقه بحيث لا يعتريه الموت أو من جهة أسباب وعوامل تؤثر فيه بالموت فتبطل الحياة التي أفاضها عليه خالقه تعالى فإن لازم ذلك أن تكون قدرته تعالى محدودة ناقصة وأن يعجزه بعض الأسباب وتغلب إرادته إرادته وهو محال كيف؟ والقدرة مطلقة والإرادة غير مغلوبة.

ويتبين بذلك أن المراد بقوله:"نحن قدرنا بينكم الموت"أن الموت حق مقدر وليس أمرا يقتضيه ويستلزمه نحو وجود الحي بل هو تعالى قدر له وجودا كذا ثم موتا يعقبه.

وأن المراد بقوله:"و ما نحن بمسبوقين"و- السبق هو الغلبة والمسبوق المغلوب - ولسنا مغلوبين في عروض الموت عن الأسباب المقارنة له بأن نفيض عليكم حياة نريد أن يدوم ذلك عليكم فيسبقنا الأسباب وتغلبنا فتبطل بالموت الحياة التي كنا نريد دوامها.

قوله تعالى:"على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون""على"متعلقه بقوله:"قدرنا"وجملة الجار والمجرور في موضع الحال أي نحن قدرنا بينكم الموت حال كونه على أساس تبديل الأمثال والإنشاء فيما لا تعلمون.

والأمثال جمع مثل بالكسر فالسكون ومثل الشيء ما يتحد معه في نوعه كالفرد من الإنسان بالنسبة إلى فرد آخر ، والمراد بقوله:"أن نبدل أمثالكم"أن نبدل أمثالكم من البشر منكم أو نبدل أمثالكم مكانكم ، والمعنى على أي حال تبديل جماعة من أخرى وجعل الأخلاف مكان الأسلاف.

وقوله:"و ننشئكم فيما لا تعلمون"ما موصولة والمراد به الخلق والجملة معطوفة على"نبدل"والتقدير وعلى أن ننشئكم ونوجدكم في خلق آخر لا تعلمونه وهو الوجود الأخروي غير الوجود الدنيوي الفاني.

ومحصل معنى الآيتين أن الموت بينكم إنما هو بتقدير منا لا لنقص في قدرتنا بأن لا يتيسر لنا إدامة حياتكم ولا لغلبة الأسباب المهلكة المبيدة وقهرها وتعجيزها لنا في حفظ حياتكم وإنما قدرناه بينكم على أساس تبديل الأمثال وإذهاب قوم والإتيان بآخرين وإنشاء خلق لكم يناسب الحياة الآخرة وراء الخلق الدنيوي الداثر فالموت انتقال من دار إلى دار وتبدل خلق إلى خلق آخر وليس بانعدام وفناء.

واحتمل بعضهم أن يكون الأمثال في الآية جمع مثل بفتحتين وهو الوصف فتكون الجملتان"على أن نبدل"إلخ ، و"ننشئكم"إلخ ، تفيدان معنى واحدا ، والمعنى: على أن نغير أوصافكم وننشئكم في وصف لا تعرفونه أو لا تعلمونه كحشركم في صفة الكلب أو الخنزير أو غيرهما من الحيوان بعد ما كنتم في الدنيا على صفة الإنسان ، والمعنى السابق أجمع وأكثر فائدة.

قوله تعالى:"و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون"المراد بالنشأة الأولى نشأة الدنيا ، والعلم بها بخصوصياتها يستلزم الإذعان بنشأة أخرى خالدة فيها الجزاء ، فإن من المعلوم من النظام الكوني أن لا لغو ولا باطل في الوجود فلهذه النشأة الفانية غاية باقية ، وأيضا من ضروريات هذا النظام هداية كل شيء إلى سعادة نوعه وهداية الإنسان تحتاج إلى بعث الرسل وتشريع الشرائع وتوجيه الأمر والنهي ، والجزاء على خير الأعمال وشرها وليس في الدنيا فهو في دار أخرى وهي النشأة الآخرة 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت