فهرس الكتاب

الصفحة 3841 من 4314

و لو أخذ العي بمعنى التعب كما مال إليه بعضهم كان المعنى: هل تعبنا بسبب الخلق الأول حتى يتعذر أو يتعسر علينا الخلق الجديد؟ وذلك كما أن الإنسان وسائر الحيوان إذا أتى بشيء من الفعل وأكثر منه انتهي به إلى التعب البدني فيكفه ذلك عن الفعل بعد ، فما لم يأت به من الفعل لكونه تعبان مثل ما أتى لكنه لا يؤتى به لأن الفاعل لا يستطيعه لتعبه وإن كان الفعل جائزا متشابه الأمثال.

وهذا معنى لا بأس به لكن قيل: إن استعمال العي بمعنى العجز أفصح.

على أن سوق الحجة من طريق العجز يفيد استحالة الإتيان ونفيها هو المطلوب بخلاف سوقها من طريق التعب فإنه يفيد تعسره دون استحالة الإتيان ومراد النافين للمعاد استحالته دون تعسره هذا.

وقوله:"بل هم في لبس من خلق جديد"اللبس هو الالتباس ، والمراد بالخلق الجديد تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة أخرى ذات نظام آخر وراء النظام الطبيعي الحاكم في الدنيا فإن في النشأة الأخرى وهي الخلق الجديد بقاء من غير فناء وحياة من غير موت ثم إن كان الإنسان من أهل السعادة فله نعمة من غير نقمة وإن كان من أهل الشقاء ففي نقمة لا نعمة معها ، والنشأة الأولى وهي الخلق الأول والنظام الحاكم فيها على خلاف ذلك.

والمعنى: إذا كنا خلقنا العالم بسمائه وأرضه وما فيهما ودبرناه أحسن تدبير لأول مرة بقدرتنا وعلمنا ولم نعجز عن ذلك علما وقدرة فنحن غير عاجزين عن تجديد خلقه وهو تبديله خلقا جديدا فلا ريب في قدرتنا ولا التباس بل هم في التباس لا سبيل لهم مع ذلك إلى الإيمان بخلق جديد.

قوله تعالى:"و لقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"قال الراغب: الوسوسة الخطرة الرديئة وأصله من الوسواس وهو صوت الحلي والهمس الخفي.

انتهى.

والمراد بخلق الإنسان وجوده المتدرج المتحول خلقا بعد خلق لا أول تكوينه إنسانا وإن عبر عنه بالماضي إذ قال:"و لقد خلقنا الإنسان"إذ الإنسان - وكذا كل مخلوق له حظ من البقاء - كما يحتاج إلى عطية ربه في أول وجوده كذلك يحتاج إليه في بقائه.

ولما ذكر من النكتة عطف قوله:"و نعلم ما توسوس به نفسه"وهو فعل مضارع مسوق للدلالة على الاستمرار على قوله:"و لقد خلقنا الإنسان"وهو فعل ماض لكنه مستمر المعنى ، وكذا قوله:"و نحن أقرب إليه من حبل الوريد"مفيد للثبوت والدوام والاستمرار باستمرار وجود الإنسان.

وللآية اتصال بما تقدم من الاحتجاج على علمه وقدرته تعالى في الخلق الأول بقوله:"أ فلم ينظروا إلى السماء"واتصال أيضا بقوله تعالى في الآية السابقة:"بل هم في لبس من خلق جديد"فهي في سياق يذكر قدرته على الإنسان بخلقه ، وعلمه به بلا واسطة وبواسطة الملائكة الحفظة الكتبة.

فقوله:"و لقد خلقنا الإنسان"- واللام للقسم - دال على القدرة عليه بإثبات الخلق.

وقوله:"و نعلم ما توسوس به نفسه"في ذكر أخفى أصناف العلم وهو العلم بالخطور النفساني الخفي إشارة إلى استيعاب العلم له كأنه قيل: ونعلم ظاهره وباطنه حتى ما توسوس به نفسه ومما توسوس به الشبهة في أمر المعاد: كيف يبعث الإنسان وقد صار بعد الموت ترابا متلاشي الأجزاء غير متميز بعضها من بعض.

وقد بان أن"ما"في"ما توسوس به"موصولة وضمير"به"عائد إليه والباء للآلة أو للسببية ، ونسب الوسوسة إلى النفس دون الشيطان وإن كانت منسوبة إليه أيضا لأن الكلام في إحاطة العلم بالإنسان حتى بما في زوايا نفسه من هاجس ووسوسة.

وقوله:"و نحن أقرب إليه من حبل الوريد"الوريد عرق متفرق في البدن فيه مجاري الدم ، وقيل: هو العرق الذي في الحلق ، وكيف كان فتسميته حبلا لتشبيهه به ، وإضافة حبل الوريد بيانية.

والمعنى: نحن أقرب إلى الإنسان من حبل وريده المخالط لأعضائه المستقر في داخل بدنه فكيف لا نعلم به وبما في نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت