فهرس الكتاب

الصفحة 3757 من 4314

و المعنى: ما خلقنا العالم المشهود بجميع أجزائه العلوية والسفلية إلا ملابسا للحق له غاية ثابتة وملابسا لأجل معين لا يتعداه وجوده وإذا كان له أجل معين يفنى عند حلوله وكانت مع ذلك له غاية ثابتة فبعد هذا العالم عالم آخر هو عالم البقاء وهو المعاد الموعود ، وقد تكرر الكلام فيما تقدم في معنى كون الخلق بالحق.

وقوله:"و الذين كفروا عما أنذروا معرضون"المراد بالذين كفروا هم المشركون بدليل الآية التالية لكن ظاهر السياق أن المراد بكفرهم كفرهم بالمعاد ، و"ما"في"عما"مصدرية أو موصولة والثاني هو الأوفق للسياق والمعنى: والمشركون الذين كفروا بالمعاد عما أنذروا به - وهو يوم القيامة بما فيه من أليم العذاب لمن أشرك بالله - معرضون منصرفون.

قوله تعالى:"قل أ رأيتم ما تدعون من دون الله"إلى آخر الآية"أ رأيتم"بمعنى أخبروني والمراد بما تدعون من دون الله الأصنام التي كانوا يدعونها ويعبدونها وإرجاع ضمائر أولي العقل إليها بعد لكونهم ينسبون إليه أفعال أولي العقل وحجة الآية وما بعدها مع ذلك تجري في كل إله معبود من دون الله.

وقوله:"أروني ما ذا خلقوا من الأرض"أروني بمعنى أخبروني و"ما"اسم استفهام و"ذا"بعده زائدة والمجموع مفعول"خلقوا"ومن الأرض متعلق به.

وقوله:"أم لهم شرك في السماوات"أي شركة في خلق السماوات فإن خلق شيء من السماوات والأرض هو المسئول عنه.

توضيح ذلك أنهم وإن لم ينسبوا إليها إلا تدبير الكون وخصوا الخلق به سبحانه كما قال تعالى:"و لئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله": الزمر: 38 ، وقال:"و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله": الزخرف: 87 ، لكن لما كان الخلق لا ينفك عن التدبير أوجب ذلك أن يكون لمن له سهم من التدبير سهم في الخلق ولذلك أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم عما لأربابهم الذين يدعون من دون الله من النصيب في خلق الأرض أو في خلق السماوات فلا معنى للتدبير في الكون من غير خلق.

وقوله:"ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين"الإشارة بهذا إلى القرآن ، والمراد بكتاب من قبل القرآن كتاب سماوي كالتوراة نازل من عند الله يذكر شركة آلهتهم في خلق السماوات أو الأرض.

والأثارة على ما ذكره الراغب مصدر بمعنى النقل والرواية قال: وأثرت العلم رويته آثره أثرا وأثارة وأثرة وأصله تتبعت أثره انتهى.

وعليه فالأثارة في الآية مصدر بمعنى المفعول أي شيء منقول من علم يثبت أن لآلهتهم شركة في شيء من السماوات والأرض ، وفسره غالب المفسرين بمعنى البقية وهو قريب مما تقدم.

والمعنى: ائتوني للدلالة على شركهم لله في خلق شيء من الأرض أو في خلق السماوات بكتاب سماوي من قبل القرآن يذكر ذلك أو بشيء منقول من علم أو بقية من علم أورثتموها يثبت ذلك إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم شركاء لله سبحانه.

قوله تعالى:"و من أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة"إلخ ، الاستفهام إنكاري ، وتحديد عدم استجابتهم الدعوة بيوم القيامة لما أن يوم القيامة أجل مسمى للدنيا والدعوة مقصورة في الدنيا ولا دنيا بعد قيام الساعة.

وقوله:"و هم عن دعائهم غافلون"صفة أخرى من صفات آلهتهم مضافة إلى صفة عدم استجابتهم وليس تعليلا لعدم الاستجابة فإن عدم استجابتهم معلول كونهم لا يملكون لعبادهم شيئا قال تعالى:"قل أ تعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا": المائدة: 76.

بل هي صفة مضافة إلى صفة مذكورة لتكون توطئة وتمهيدا لما سيذكره في الآية التالية من عداوتهم لهم وكفرهم بعبادتهم يوم القيامة فهم في الدنيا غافلون عن دعائهم وسيطلعون عليه يوم القيامة فيعادونهم ويكفرون بعبادتهم.

وفي الآية دلالة على سراية الحياة والشعور في الأشياء حتى الجمادات فإن الأصنام من الجماد وقد نسب إليها الغفلة والغفلة من شئون ذوي الشعور لا تطلق إلا على ما من شأن موصوفه أن يشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت