و في الالتفات إلى الغيبة في قوله:"يطاف عليهم"بين الخطابين"ادخلوا الجنة"و"أنتم فيها خالدون"تفخيم لإكرامهم وإنعامهم أن ذلك بحيث ينبغي أن يذكر لغيرهم ليزيد به اغتباطهم ويظهر به صدق ما وعدوا به.
وقوله:"و فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين"الظاهر أن المراد بما تشتهيه الأنفس ما تتعلق به الشهوة الطبيعية من مذوق ومشموم ومسموع وملموس مما يتشارك فيه الإنسان وعامة الحيوان ، والمراد بما تلذه الأعين الجمال والزنية وذلك مما الالتذاذ به كالمختص بالإنسان كما في المناظر البهجة والوجه الحسن واللباس الفاخر ، ولذا غير التعبير فعبر عما يتعلق بالأنفس بالاشتهاء وفيما يتعلق بالأعين باللذة وفي هذين القسمين تنحصر اللذائذ النفسانية عندنا.
ويمكن أن تندرج اللذائذ الروحية العقلية فيما تلذه الأعين فإن الالتذاذ الروحي يعد من رؤية القلب.
قال في المجمع ،: وقد جمع الله سبحانه في قوله:"ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين"ما لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يصفوا ما في الجنة من أنواع النعيم لم يزيدوا على ما انتظمته هاتان الصفتان.
انتهى.
وقوله:"و أنتم فيها خالدون"إخبار ووعد وتبشير بالخلود ولهم في العلم به من اللذة الروحية ما لا يقاس بغيره ولا يقدر بقدر.
قوله تعالى:"و تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون"قيل: المعنى أعطيتموها بأعمالكم ، وقيل أورثتموها من الكفار وكانوا داخليها لو آمنوا وعملوا صالحا ، وقد تقدم الكلام في المعنيين في تفسير قوله تعالى:"أولئك هم الوارثون": المؤمنون: 10.
قوله تعالى:"لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون"أضاف الفاكهة إلى ما مرت الإشارة إليه من الطعام والشراب لإحصاء النعمة ، ومن في"منها تأكلون"للتبعيض ولا يخلو من إشارة إلى أنها لا تنفد بالأكل.
قوله تعالى:"إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون"المراد بالمجرمين المتلبسون بالإجرام فيكون أعم من الكفار ويؤيده إيراده في مقابلة المتقين وهو أخص من المؤمنين.
والتفتير التخفيف والتقليل ، والإبلاس اليأس ويأسهم من الرحمة أو من الخروج من النار.
قوله تعالى:"و ما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين"وذلك أنه تعالى جازاهم بأعمالهم لكنهم ظلموا أنفسهم حيث أوردوها بأعمالهم مورد الشقوة والهلكة.
قوله تعالى:"و نادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون"مالك هو الملك الخازن للنار على ما وردت به الأخبار من طرق العامة والخاصة.
وخطابهم مالكا بما يسألونه من الله سبحانه لكونهم محجوبين عنه كما قال تعالى:"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15 ، وقال:"قال اخسئوا فيها ولا تكلمون": المؤمنون: 108.
فالمعنى: أنهم يسألون مالكا أن يسأل الله أن يقضي عليهم.
والمراد بالقضاء عليهم إماتتهم ، ويريدون بالموت الانعدام والبطلان لينجوا بذلك عما هم فيه من الشقوة وأليم العذاب ، وهذا من ظهور ملكاتهم الدنيوية فإنهم كانوا يرون في الدنيا أن الموت انعدام وفوت لا انتقال من دار إلى دار فيسألون الموت بالمعنى الذي ارتكز في نفوسهم وإلا فهم قد ماتوا وشاهدوا ما هي حقيقته.
وقوله:"قال إنكم ماكثون"أي فيما أنتم فيه من الحياة الشقية والعذاب الأليم ، والقائل هو مالك جوابا عن مسألتهم.
قوله تعالى:"لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون"ظاهره أنه من تمام كلام مالك يقوله عن لسان الملائكة وهو منهم ، وقيل: من كلامه تعالى ويبعده أنهم محجوبون يومئذ عن ربهم لا يكلمهم الله تعالى.
والخطاب لأهل النار بما أنهم بشر ، فالمعنى: لقد جئناكم معشر البشر بالحق ولكن أكثركم وهم المجرمون كارهون للحق.
وقيل: المراد بالحق مطلق الحق أي حق كان فهم يكرهونه وينفرون منه وأما الحق المعهود الذي هو التوحيد أو القرآن فكلهم كارهون له مشمئزون منه.
والمراد بكراهتهم للحق الكراهة بحسب الطبع الثاني المكتسب بالمعاصي والذنوب لا بحسب الطبع الأول الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها إذ لو كرهوه بحسبها لم يكلفوا بقبوله ، قال تعالى:"لا تبديل لخلق الله": الروم: 30 ، وقال:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8.
ويظهر من الآية أن الملاك في السعادة والشقاء قبول الحق ورده.