و الطول - على ما في المجمع ، - الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه فذو الطول من أسمائه الحسنى في معنى المنعم لكنه أخص من المنعم لعدم شموله النعم القصار.
وذكر هذه الأسماء الأربعة: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول بعد اسم العليم للإشارة إلى أن تنزيل هذا الكتاب المشتمل على دعوته الحقة المبني على العلم مبني على أساس ما تقتضيه مضامين هذه الأسماء الأربعة.
وذلك أن العالم الإنساني كما يتحد قبيلا واحدا في نيل الطول الإلهي والتنعم بنعمه المستمرة المتوالية مدى الحياة الدنيا ينقسم من حيث حياته الآخرة قسمين وينشعب إلى شعبتين: سعيد وشقي والله سبحانه عالم بتفاصيل خلقه وكيف لا يعلم وهو خالقها وفاعلها ، ومقتضى كونه غافرا للذنب قابلا للتوب أن يغفر لمن استعد للمغفرة وأن يقبل توبة التائب إليه ، ومقتضى كونه شديد العقاب أن يعاقب من استحق ذلك.
ومقتضى ذلك أن يهدي الناس إلى صراط السعادة كما قال:"إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى:"الليل: - 13 ، وقال:"و على الله قصد السبيل:"النحل: - 9.
لينقسم الناس بذلك قسمين ويتميز عنده السعيد من الشقي والمهتدي من الضال فيرحم هذا ويعذب ذلك.
فتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم مبني على علمه المحيط بخلقه أنهم في حاجة إلى دعوة يهتدي بها قوم ويضل بردها آخرون ليغفر لقوم ويعذب آخرين ، وفي حاجة إليها لينتظم بها نظام معاشهم في الدنيا فينعموا بطوله ونعمته في الدنيا ثم في دار القرار.
فهذا شأن كتابه المنزل بعلمه الذي لا يشوبه جهل والمبني على الحق الذي لا يداخله باطل ، وأين هو من تكذيب الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة وجدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق.
وعلى هذا الذي ذكرنا من العناية بالعلم يشهد ما سيذكره تعالى من دعاء الملائكة للمؤمنين بالمغفرة:"ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك"فتدبر فيه.
وقوله:"لا إله إلا هو إليه المصير"ذكر كلمة التوحيد للإشارة إلى وجوب عبادته وحده فلا تلغو الدعوة الدينية بتنزيل الكتاب ، وذكر كون مصير الكل ورجوعهم إليه وهو البعث للإشارة إلى أنه هو السبب العمدة الداعي إلى الإيمان بالكتاب واتباعه فيما يدعو إليه لأن الاعتقاد بيوم الحساب هو الذي يستتبع الخوف والرجاء خوف العقاب ورجاء الثواب الداعيين إلى عبادة الله سبحانه.
قوله تعالى:"ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد"لما ذكر تنزيل الكتاب وأشار إلى الحجة الباهرة على حقيته ، المستفادة من صفاته الكريمة المعدودة في الآيتين ، الدالة على أنه منزل بعلمه الذي لا يشوبه جهل وبالحق الذي لا يدحضه باطل تعرض لحال الذين قابلوا حججه الحقة بباطل جدالهم فلوح إلى أن هؤلاء أهل العقاب وليسوا بفائتين ولا مغفولا عنهم فإنهم كما نزل الكتاب ليغفر الذنب ويقبل التوب كذلك نزله ليعاقب أهل العقاب فلا يسوأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جدالهم ولا يغرنه ما يشاهده من حالهم.
فقوله:"ما يجادل في آيات الله"لم يقل: ما يجادل فيه أي في القرآن ليدل على أن الجدال في الحق الذي تدل عليه الآيات بما هي آيات.
على أن طرف جدالهم هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو داع إلى الحق الذي تدل عليه الآيات فجدالهم لدفع الحق لا للدفاع عن الحق.
على أن الجدال في الآية التالية مقيدة بالباطل لإدحاض الحق.
فالمراد بالمجادلة في آيات الله هي المجادلة لإدحاضها ودفعها وهي المذمومة ولا تشمل الجدال لإثبات الحق والدفاع عنه كيف؟ وهو سبحانه يأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك إذا كان جدالا بالتي هي أحسن قال تعالى:"و جادلهم بالتي هي أحسن:"النحل: - 125.
قوله:"إلا الذين كفروا"ظاهر السياق أنهم الذين رسخ الكفر في قلوبهم فلا يرجى زواله ، وقد قيل:"ما يجادل"ولم يقل: لا يجادل ، وكذا ظاهر قوله:"فلا يغررك تقلبهم في البلاد"أن المراد بهم الكفار المعاصرون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يكونوا من أهل مكة.