و قوله:"و هو أعلم بما يفعلون"أي ليس حكمه بهذا النمط من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء عن جهل منه وحاجة بل لأن يجري حكمه على القسط والعدل فهو أعلم بما يفعلون.
والآية السابقة تتضمن القضاء والحكم وهذه الآية إجراؤه والآيات اللاحقة تفصيل إجرائه.
قوله تعالى:"و سيق الذين كفروا إلى جهنم"إلى آخر الآية السوق بالفتح فالسكون - على ما في المجمع ، - الحث على السير ، والزمر جمع زمرة وهي - كما في الصحاح ، - الجماعة من الناس.
والمعنى"و سيق"وحث على السير"الذين كفروا إلى جهنم زمرا"جماعة بعد جماعة"حتى إذا جاءوها"بلغوها"فتحت أبوابها"لأجل دخولهم وهي سبعة قال تعالى:"لها سبعة أبواب:"الحجر: - 44"و قال لهم خزنتها"وهم الملائكة الموكلون عليها يقولون لهم تهجينا وإنكارا عليهم"أ لم يأتكم رسل منكم"من نوعكم من البشر"يتلون"ويقرءون"عليكم آيات ربكم"من الحجج الدالة على وحدانيته ووجوب عبادته"قالوا"بلى قد جاءوا وتلوا"و لكن"كفرنا وكذبنا و"حقت كلمة العذاب على الكافرين"وكلمة العذاب هي قوله تعالى حين أمر آدم بالهبوط:"و الذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:"البقرة: - 39.
قوله تعالى:"قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين"القائل - على ما يفيده السياق - خزنة جهنم ، وفي قوله:"فبئس مثوى المتكبرين"دلالة على أن هؤلاء الذين كفروا هم المكذبون بآيات الله المعاندون للحق.
قوله تعالى:"و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها"لم يذكر في الآية جواب إذا إشارة إلى أنه أمر فوق ما يوصف ووراء ما يقدر بقدر ، وقوله:"و فتحت أبوابها"حال أي جاءوها وقد فتحت أبوابها ، وقوله:"خزنتها"هم الملائكة الموكلون عليها.
والمعنى"و سيق"وحث على السير"الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا"جماعة بعد جماعة"حتى إذا جاءوها و"قد"فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها"الموكلون عليها مستقبلين لهم"سلام عليكم"أنتم في سلام مطلق لا يلقاكم إلا ما ترضون"طبتم"ولعله تعليل لإطلاق السلام"فادخلوها خالدين"فيها.
وهو أثر طيبهم.
قوله تعالى:"و قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض"إلى آخر الآية.
القائلون هم المتقون والمراد بالوعد ما تكرر في كلامه تعالى وفيما أوحي إلى سائر الأنبياء من وعد المتقين بالجنة قال:"للذين اتقوا عند ربهم جنات:"آل عمران: - 15 وقال:"إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم:"القلم: - 34 ، كذا قيل ، وقيل: المراد بالوعد الوعد بالبعث والثواب.
ولا يبعد أن يراد بالوعد الوعد بإيراث الجنة كما في قوله:"أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون:"المؤمنون: - 11 ويكون قوله:"و أورثنا الأرض"عطف تفسير لقوله"صدقنا وعده".
وقوله:"و أورثنا الأرض"المراد بالأرض - على ما قالوا - أرض الجنة وهي التي عليها الاستقرار فيها وقد تقدم في أول سورة المؤمنون أن المراد بوراثتهم الجنة بقاؤها لهم بعد ما كانت في معرض أن يشاركها غيرهم أو يملكها دونهم لكنهم زالوا عنها فانتقلت إليهم.
وقوله:"نتبوأ من الجنة حيث نشاء"بيان لإيراثهم الأرض ، وتبديل ضمير الأرض بالجنة للإشارة إلى أنها المراد بالأرض.
وقيل: المراد بالأرض هي أرض الدنيا وهو سخيف إلا أن يوجه بأن الجنة هي عقبى هذه الدار قال تعالى:"أولئك لهم عقبى الدار:"الرعد: - 22.
والمعنى وقال المتقون بعد دخول الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده أن سيدخلنا أو أن سيورثنا الجنة نسكن منها حيث نشاء ونختار - فلهم ما يشاءون فيها -.
وقوله:"فنعم أجر العاملين"أي فنعم الأجر أجر العاملين لله تعالى ، وهو على ما يعطيه السياق قول أهل الجنة ، واحتمل أن يكون من قوله تعالى.
قوله تعالى:"و ترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم"إلى آخر الآية الحف الإحداق والإحاطة بالشيء ، والعرش هو المقام الذي يصدر منه الفرامين والأوامر الإلهية التي يدبر بها العالم ، والملائكة هم المجرون لمشيته العاملون بأمره ، ورؤية الملائكة على تلك الحال كناية عن ظهور ذلك وقد طويت السماوات.