فهرس الكتاب

الصفحة 3580 من 4314

و شرح الصدر بسطه ليسع ما يلقى إليه من القول وإذ كان ذلك للإسلام وهو التسليم لله فيما أراد وليس إلا الحق كان معناه كون الإنسان بحيث يقبل ما يلقى إليه من القول الحق ولا يرده ، وليس قبولا من غير دراية وكيفما كان بل عن بصيرة بالحق وعرفان بالرشد ولذا عقبه بقوله:"فهو على نور من ربه"فجعله بحسب التمثيل راكب نور يسير عليه ويبصر ما يمر به في ساحة صدره الرحب الوسيع من الحق فيبصره ويميزه من الباطل بخلاف الضال الذي لا في صدره شرح فيسع الحق ولا هو راكب نور من ربه فيبصر الحق ويميزه.

وقوله:"فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله"تفريع على الجملة السابقة بما يدل على أن القاسية القلوب - وقساوة القلب وصلابته لازمة عدم شرح الصدر وعدم النور - لا يتذكرون بآيات الله فلا يهتدون إلى ما تدل عليه من الحق ، ولذا عقبه بقوله:"أولئك في ضلال مبين".

وفي الآية تعريف الهداية بلازمها وهو شرح الصدر وجعله على نور من ربه ، وتعريف الضلال بلازمه وهو قساوة القلب من ذكر الله.

وقد تقدم في تفسير قوله:"و من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"الآية: الأنعام: - 125 كلام في معنى الهداية فراجع.

قوله تعالى:"الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني"إلى آخر الآية كالإجمال بعد التفصيل بالنسبة إلى الآية السابقة بالنظر إلى ما يتحصل من الآية في معنى الهداية وإن كانت بيانا لهداية القرآن.

فقوله:"الله نزل أحسن الحديث"هو القرآن الكريم والحديث هو القول كما في قوله تعالى:"فليأتوا بحديث مثله:"الطور: - 34 ، وقوله:"فبأي حديث بعده يؤمنون:"المرسلات: - 50 فهو أحسن القول لاشتماله على محض الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو كلامه المجيد.

وقوله:"كتابا متشابها"أي يشبه بعض أجزائه بعضا وهذا غير التشابه الذي في المتشابه المقابل للمحكم فإنه صفة بعض آيات الكتاب وهذا صفة الجميع.

وقوله:"مثاني"جمع مثنية بمعنى المعطوف لانعطاف بعض آياته على بعض ورجوعه إليه بتبين بعضها ببعض وتفسير بعضها لبعض من غير اختلاف فيها بحيث يدفع بعضه بعضا ويناقضه كما قال تعالى:"أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا:"النساء: - 82.

وقوله:"تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم"صفة الكتاب وليس استئنافا ، والاقشعرار تقبض الجلد تقبضا شديدا لخشية عارضة عن استماع أمر هائل أو رؤيته ، وليس ذلك إلا لأنهم على تبصر من موقف نفوسهم قبال عظمة ربهم فإذا سمعوا كلامه توجهوا إلى ساحة العظمة والكبرياء فغشيت قلوبهم الخشية وأخذت جلودهم في الاقشعرار.

وقوله:"ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله""تلين"مضمنة معنى السكون والطمأنينة ولذا عدي بإلى والمعنى ثم تسكن وتطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله لينة تقبله أو تلين له ساكنة إليه.

ولم يذكر القلوب في الجملة السابقة عند ذكر الاقشعرار لأن المراد بالقلوب النفوس ولا اقشعرار لها وإنما لها الخشية.

وقوله:"ذلك هدى الله يهدي به من يشاء"أي ما يأخذهم من اقشعرار الجلود من القرآن ثم سكون جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله هو هدى الله وهذا تعريف آخر للهداية بلازمها.

وقوله:"يهدي به من يشاء"أي يهدي بهداه من يشاء من عباده وهو الذي لن يبطل استعداده للاهتداء ولم يشغل بالموانع عنه كالفسق والظلم وفي السياق إشعار بأن الهداية من فضله وليس بموجب فيها مضطر إليها.

وقيل: المشار إليه بقوله:"ذلك هدى الله"القرآن وهو كما ترى ، وقد استدل بالآيات على أن الهداية من صنع الله لا يشاركه فيها غيره ، والحق أنها خالية عن الدلالة على ذلك وإن كان الحق هو ذلك بمعنى كونها لله سبحانه أصالة ولمن اختاره من عباده لذلك تبعا كما يستفاد من مثل قوله:"قل إن هدى الله هو الهدى:"البقرة: - 120 وقوله:"إن علينا للهدى:"الليل: - 12 ، وقوله:"و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا:"الأنبياء: - 73 ، وقوله:"و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم:"الشورى: - 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت