فهرس الكتاب

الصفحة 3524 من 4314

قوله تعالى:"و نجيناه وأهله من الكرب العظيم"الكرب - على ما ذكره الراغب - الغم الشديد والمراد به الطوفان أو أذى قومه ، والمراد بأهله أهل بيته والمؤمنون به من قومه وقد قال تعالى في سورة هود:"قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن:"هود: - 40 والأهل كما يطلق على زوج الرجل وبنيه يطلق على كل من هو من خاصته.

قوله تعالى:"و جعلنا ذريته هم الباقين"أي الباقين من الناس بعد قرنهم وقد بحثنا في هذا المعنى في قصة نوح من سورة هود.

قوله تعالى:"و تركنا عليه في الآخرين"المراد بالترك الإبقاء وبالآخرين الأمم الغابرة غير الأولين ، وقد ذكرت هذه الجملة بعد ذكر إبراهيم (عليه السلام) أيضا في هذه السورة وقد بدلت في القصة بعينها من سورة الشعراء من قوله:"و اجعل لي لسان صدق في الآخرين:"الشعراء: - 84 واستفدنا منه هناك أن المراد بلسان صدق كذلك أن يبعث الله بعده من يقوم بدعوته ويدعو إلى ملته وهي دين التوحيد.

فيتأيد بذلك أن المراد بالإبقاء في الآخرين هو إحياؤه تعالى دعوة نوح (عليه السلام) إلى التوحيد ومجاهدته في سبيل الله عصرا بعد عصر وجيلا بعد جيل إلى يوم القيامة.

قوله تعالى:"سلام على نوح في العالمين"المراد بالعالمين جميعها لكونه جمعا محلى باللام مفيدا للعموم ، والظاهر أن المراد به عالمو البشر وأممهم وجماعاتهم إلى يوم القيامة فإنه تحية من عند الله مباركة طيبة تهدى إليه من قبل الأمم الإنسانية ما جرى فيها شيء من الخيرات اعتقادا أو عملا فإنه (عليه السلام) أول من انتهض لدعوة التوحيد ودحض الشرك وما يتبعه من العمل وقاسى في ذلك أشد المحنة فيما يقرب من ألف سنة لا يشاركه في ذلك أحد فله نصيب من كل خير واقع بينهم إلى يوم القيامة ، ولا يوجد في كلامه تعالى سلام على هذه السعة على أحد ممن دونه.

وقيل: المراد بالعالمين عوالم الملائكة والثقلين من الجن والإنس.

قوله تعالى:"إنا كذلك نجزي المحسنين تعليل لما امتن عليه من الكرامة كإجابة ندائه وتنجيته وأهله من الكرب العظيم وإبقاء ذريته وتركه عليه في الآخرين والسلام عليه في العالمين ، وتشبيه جزائه بجزاء عموم المحسنين من حيث أصل الجزاء الحسن لا في خصوصياته فلا يوجب ذلك اشتراك الجميع فيما اختص به (عليه السلام) وهو ظاهر."

قوله تعالى:"إنه من عبادنا المؤمنين"تعليل لإحسانه المدلول عليه بالجملة السابقة وذلك لأنه (عليه السلام) لكونه عبدا لله بحقيقة معنى الكلمة كان لا يريد ولا يفعل إلا ما يريده الله ، ولكونه من المؤمنين حقا كان لا يرى من الاعتقاد إلا الحق وسرى ذلك إلى جميع أركان وجوده ومن كان كذلك لا يصدر منه إلا الحسن الجميل فكان من المحسنين.

قوله تعالى:"ثم أغرقنا الآخرين"ثم للتراخي الكلامي دون الزماني والمراد بالآخرين قومه المشركون.

قوله تعالى:"و إن من شيعته لإبراهيم"الشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم وبالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته تقدم أو تأخر قال تعالى:"و حيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل:"سبأ: - 54.

وظاهر السياق أن ضمير"شيعته"لنوح أي إن إبراهيم كان ممن يوافقه في دينه وهو دين التوحيد ، وقيل: الضمير لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا دليل عليه من جهة اللفظ.

قيل: ومن حسن الإرداف في نظم الآيات تعقيب قصة نوح (عليه السلام) وهو آدم الثاني أبو البشر بقصة إبراهيم (عليه السلام) وهو أبو الأنبياء إليه تنتهي أنساب جل الأنبياء بعده وعلى دينه تعتمد أديان التوحيد الحية اليوم كدين موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأيضا نوح (عليه السلام) نجاه الله من الغرق وإبراهيم (عليه السلام) نجاه الله من الحرق.

قوله تعالى:"إذ جاء ربه بقلب سليم"مجيئه ربه كناية عن تصديقه له وإيمانه به ، ويؤيد ذلك أن المراد بسلامة القلب عروه عن كل ما يضر التصديق والإيمان بالله سبحانه من الشرك الجلي والخفي ومساوىء الأخلاق وآثار المعاصي وأي تعلق بغيره ينجذب إليه الإنسان ويختل به صفاء توجهه إليه سبحانه.

وبذلك يظهر أن المراد بالقلب السليم ما لا تعلق له بغيره تعالى كما في الحديث وسيجيء إن شاء الله في البحث الروائي الآتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت