فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 4314

فهذه وجوه يوجه بها قوله تعالى: وهو كره لكم إلا أن الأول أنسب نظرا إلى ما أشير إليه من آيات العتاب ، على أن التعبير في قوله: كتب عليكم القتال ، بصيغة المجهول على ما مر من الوجه يؤيد ذلك.

قوله تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، قد مر فيما مر أن أمثال عسى ولعل في كلامه تعالى مستعمل في معنى الترجي ، وليس من الواجب قيام صفة الرجاء بنفس المتكلم بل يكفي قيامها بالمخاطب أو بمقام التخاطب ، فالله سبحانه إنما يقول: عسى أن يكون كذا لا لأنه يرجوه ، تعالى عن ذلك ، بل ليرجوه المخاطب أو السامع.

وتكرار عسى في الآية لكون المؤمنين كارهين للحرب ، محبين للسلم ، فأرشدهم الله سبحانه على خطئهم في الأمرين جميعا ، بيان ذلك: أنه لو قيل: عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم أو تحبوا شيئا وهو شر لكم ، كان معناه أنه لا عبرة بكرهكم وحبكم فإنهما ربما يخطئان الواقع ، ومثل هذا الكلام إنما يلقى إلى من أخطأ خطأ واحدا كمن يكره لقاء زيد فقط ، وأما من أخطأ خطاءين كان يكره المعاشرة والمخالطة ويحب الاعتزال ، فالذي تقتضيه البلاغة أن يشار إلى خطئه في الأمرين جميعا ، فيقال له: لا في كرهك أصبت ، ولا في حبك اهتديت ، عسى أن تكره شيئا وهو خير لك وعسى أن تحب شيئا وهو شر لك لأنك جاهل لا تقدر أن تهتدي بنفسك إلى حقيقة الأمر ، ولما كان المؤمنون مع كرههم للقتال محبين للسلم كما يشعر به أيضا قوله تعالى سابقا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، نبههم الله بالخطاءين بالجملتين المستقلتين وهما: عسى أن تكرهوا ، وعسى أن تحبوا.

قوله تعالى: والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، تتميم لبيان خطئهم ، فإنه تعالى تدرج في بيان ذلك إرفاقا بأذهانهم ، فأخذ أولا بإبداء احتمال خطئهم في كراهتهم للقتال بقوله: عسى أن تكرهوا ، فلما اعتدلت أذهانهم بحصول الشك فيها ، وزوال صفة الجهل المركب كر عليهم ثانيا بأن هذا الحكم الذي كرهتموه أنتم إنما شرعه الله الذي لا يجهل شيئا من حقائق الأمور ، والذي ترونه مستند إلى نفوسكم التي لا تعلم شيئا إلا ما علمها الله إياه وكشف عن حقيقته ، فعليكم أن تسلموا إليه سبحانه الأمر.

والآية في إثباته العلم له تعالى على الإطلاق ونفي العلم عن غيره على الإطلاق تطابق سائر الآيات الدالة على هذا المعنى كقوله تعالى:"إن الله لا يخفى عليه شيء": آل عمران - 5 ، وقوله تعالى:"و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء:"البقرة - 255 ، وقد سبق بعض الكلام في القتال في قوله:"و قاتلوا في سبيل الله:"البقرة - 190.

قوله تعالى: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، الآية تشتمل على المنع عن القتال في الشهر الحرام وذمه بأنه صد عن سبيل الله وكفر ، واشتمالها مع ذلك على أن إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله ، وأن الفتنة أكبر من القتل ، يؤذن بوقوع حادثة هي الموجبة للسؤال وأن هناك قتلا ، وأنه إنما وقع خطأ لقوله تعالى في آخر الآيات:"إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم"الآية ، فهذه قرائن على وقوع قتل في الكفار خطأ من المؤمنين في الشهر الحرام في قتال واقع بينهم ، وطعن الكفار به ، ففيه تصديق لما ورد في الروايات من قصة عبد الله بن جحش وأصحابه.

قوله تعالى: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ، الصد هو المنع والصرف ، والمراد بسبيل الله العبادة والنسك وخاصة الحج ، والظاهر أن ضمير به راجع إلى السبيل فيكون كفرا في العمل دون الاعتقاد ، والمسجد الحرام عطف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام.

والآية تدل على حرمة القتال في الشهر الحرام ، وقد قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم:"التوبة - 6 ، وليس بصواب ، وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير آيات القتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت