فهرس الكتاب

الصفحة 3497 من 4314

قوله تعالى:"و إذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون"لما ذكر الآيات الدالة على الربوبية ذمهم على عدم رعايتهم حقها وعدم إقبالهم عليها وعدم ترتيبهم عليها آثارها فإذا قيل لهم هذه الآيات البينات ناطقة أن ربكم الله فاتقوا معصيته في حالكم الحاضرة وما قدمتم من المعاصي ، أو عذاب الشرك والمعاصي التي أنتم مبتلون بها وما خلفتم وراءكم ، أو اتقوا ما بين أيديكم من الشرك والمعاصي في الحياة الدنيا وما خلفكم من العذاب في الآخرة ، أعرضوا عنه ولم يستجيبوا له على ما هو دأبهم في جميع الآيات التي ذكروا بها.

ومن هنا يظهر أولا أن المراد بما بين أيديهم وما خلفهم الشرك والمعاصي التي هم مبتلون بها في حالهم الحاضرة وما كانوا مبتلين به قبل ، أو العذاب الذي استوجبوه بذلك والمآل واحد ، أو الشرك والمعاصي في الدنيا والعذاب في الآخرة وهو أوجه الوجوه.

وثانيا: أن حذف جواب إذا للدلالة على أن حالهم بلغت من الجرأة على الله والاستهانة بالحق مبلغا لا يستطاع معها ذكر ما يجيبون به داعي الحق إذا دعاهم إلى التقوى فيجب أن يترك أسفا ولا يذكر ، وقد دل عليه بقوله:"و ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين".

قوله تعالى:"و ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين"المراد بإتيان الآيات موافاتها لهم بالمشاهدة أو بالتلاوة والذكر ، وأيضا هي أعم من أن تكون آية آفاقية أو أنفسية ، أو تكون آية معجزة كالقرآن فهم معرضون عنها جميعا.

قوله تعالى:"و إذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله"إلى آخر الآية كان قوله:"و إذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم"متعرضا لجوابهم إذا دعوا إلى عبادة الله وهي أحد ركني الدين الحق ، وهذه الآية تعرضت لجوابهم إذا دعوا إلى الشفقة على خلق الله وهو الركن الآخر ومعلوم أن جوابهم الرد دون القبول.

فقوله:"و إذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله"يتضمن دعوتهم إلى الإنفاق على الفقراء والمساكين من أموالهم وفي التعبير عن الأموال بما رزقهم الله إشعار بأن المالك لها حقيقة هو الله الذي رزقهم بها وسلطهم عليها ، وهو الذي خلق الفقراء والمساكين وأقام حاجتهم إلى ما عند هؤلاء من فضل المؤن الذي لا يفتقرون إليه فلينفقوا عليهم وليحسنوا وليجملوا والله يحب الإحسان وجميل الفعل.

وقوله:"قال الذين كفروا للذين آمنوا أ نطعم من لو يشاء الله أطعمه"جوابهم للدعوة إلى الإنفاق ، وإنما أظهر القائل - الذين كفروا - ومقتضى المقام الإضمار للإشارة إلى أن كفرهم بالحق وإعراضهم عنه باتباع الشهوات هو الذي دعاهم إلى الاعتذار بمثل هذا العذر المبني على الإعراض عما تدعو إليه الفطرة من الشفقة على خلق الله وإصلاح ما فسد في المجتمع كما أن الإظهار في قوله:"للذين آمنوا"للإشارة إلى أن قائل"أنفقوا مما رزقكم الله"هم الذين آمنوا.

وفي قولهم:"أ نطعم من لو يشاء الله أطعمه"إشعار بأن المؤمنين إنما قالوا لهم:"أنفقوا مما رزقكم الله"بعنوان أنه مما يشاؤه الله ويريده حكما دينيا فردوه بأن إرادة الله لا تتخلف عن مراده فلو شاء أن يطعمهم أطعمهم أي وسع في رزقهم وجعلهم أغنياء.

وهذه مغالطة منهم خلطوا فيه بين الإرادة التشريعية المبنية على الابتلاء والامتحان وهداية العباد إلى ما فيه صلاح حالهم في دنياهم وآخرتهم ومن الجائز أن تتخلف عن المراد بالعصيان ، وبين الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن المراد ومن المعلوم أن مشيئة الله وإرادته المتعلقة بإطعام الفقراء والإنفاق عليهم من المشيئة التشريعية دون التكوينية فتخلفها في مورد الفقراء إنما يدل على عصيان الذين كفروا وتمردهم عما أمروا به لا على عدم تعلق الإرادة به وكذب مدعيه.

وهذه مغالطة بنوا عليها جل ما افتعلوه من سنن الوثنية وقد حكى الله سبحانه ذلك عنهم في قوله:"و قال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء:"النحل: - 35 ، وقوله:"سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء:"الأنعام: - 148 ، وقوله:"و قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم:"الزخرف: - 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت