و قوله:"بل أنتم قوم مسرفون"أي مجاوزون للحد في المعصية وهو إضراب عما تقدم والمعنى بل السبب الأصلي في جحودكم وتكذيبكم للحق أنكم قوم تستمرون على الإسراف ومجاوزة الحد.
قوله تعالى:"و جاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين"أقصى المدينة أبعد مواضعها بالنسبة إلى مبدإ مفروض ، وقد بدلت القرية في أول الكلام مدينة هنا للدلالة على عظمها والسعي هو الإسراع في المشي.
ووقع نظير هذا التعبير في قصة موسى والقبطي وفيها"و جاء رجل من أقصى المدينة يسعى"فقدم"رجل"هناك وأخر هاهنا ولعل النكتة في ذلك أن الاهتمام هناك بمجيء الرجل وإخباره موسى بائتمار الملإ لقتله فقدم الرجل ثم أشير إلى اهتمام الرجل نفسه بإيصال الخبر وإبلاغه فجيء بقوله:"يسعى"حالا مؤخرا بخلاف ما هاهنا فالاهتمام بمجيئه من أقصى المدينة ليعلم أن لا تواطؤ بينه وبين الرسل في أمر الدعوة فقدم"من أقصى المدينة"وأخر الرجل وسعيه.
وقد اشتد الخلاف بينهم في اسم الرجل واسم أبيه وحرفته وشغله ولا يهمنا الاشتغال بذلك في فهم المراد ولو توقف عليه الفهم بعض التوقف لأشار سبحانه في كلامه إليه ولم يهمله.
وإنما المهم هو التدبر في حظه من الإيمان في هذا الموقف الذي انتهض فيه لتأييد الرسل (عليهم السلام) ونصرتهم فقد كان على ما يعطيه التدبر في المنقول من كلامه رجلا نور الله سبحانه قلبه بنور الإيمان يؤمن بالله إيمان إخلاص يعبده لا طمعا في جنة أو خوفا من نار بل لأنه أهل للعبادة ولذلك كان من المكرمين ولم يصف الله سبحانه في كلامه بهذا الوصف إلا ملائكته المقربين وعباده المخلصين ، وقد خاصم القوم فخصمهم وأبطل ما تعلق به القوم من الحجة على عدم جواز عبادة الله سبحانه ووجوب عبادة آلهتهم وأثبت وجوب عبادته وحده وصدق الرسل في دعواهم الرسالة ثم آمن بهم.
قوله تعالى:"اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون"بيان لقوله:"اتبعوا المرسلين"وفي وضع قوله:"من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون"في هذه الآية موضع قوله:"المرسلين"في الآية السابقة إشعار بالعلية وبيانها أن عدم جواز اتباع قائل في قوله إنما يكون لأحد أمرين: إما لكون قوله ضلالا والقائل به ضالا ولا يجوز اتباع الضال في ضلاله ، وإما لأن القول وإن كان حقا والحق واجب الاتباع لكن لقائله غرض فاسد يريد أن يتوسل إليه بكلمة الحق كاقتناء المال واكتساب الجاه والمقام ونحو ذلك ، وأما إذا كان القول حقا وكان القائل بريئا من الغرض الفاسد منزها من الكيد والمكر والخيانة كان من الواجب اتباعه في قوله ، وهؤلاء الرسل مهتدون في قولهم: لا تعبدوا إلا الله ، وهم لا يريدون منكم أجرا من مال أو جاه فمن الواجب عليكم أن تتبعوهم في قولهم.
أما أنهم مهتدون فلقيام الحجة على صدق ما يدعون إليه من التوحيد وكونه حقا ، والحجة هي قوله:"و ما لي لا أعبد"إلى تمام الآيتين.
وأما أنهم لا يريدون منكم أجرا فلما دل عليه قولهم:"ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون"وقد تقدم تقريره.
وبهذا البيان يتأيد ما قدمناه من كون قولهم:"ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون"مسوقا لنفي إرادتهم من القوم أجرا أو غير ذلك.
قوله تعالى:"و ما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ء أتخذ من دونه آلهة"- إلى قوله - ولا ينقذون"شرع في استفراغ الحجة على التوحيد ونفي الآلهة في آيتين واختار لذلك سياق التكلم وحده إلا في جملة اعترض بها في خلال الكلام وهي قوله:"و إليه ترجعون" وذلك بإجراء الحكم في نفسه بما أنه إنسان أوجده الله وفطره حتى يجري في كل إنسان هو مثله والأفراد أمثال فقوله:"و ما لي لا أعبد"إلخ."
في معنى وما للإنسان لا يعبد إلخ.
أ يتخذ الإنسان من دونه آلهة إلخ.
وقد عبر عنه تعالى بقوله:"الذي فطرني"للإشعار بالعلية فإن فطره تعالى للإنسان وإيجاده له بعد العدم لازمه رجوع كل ما للإنسان من ذات وصفات وأفعال إليه تعالى وقيامه به وملكه له فليس للإنسان إلا العبودية محضة فعلى الإنسان أن ينصب نفسه في مقام العبودية ويظهرها بالنسبة إليه تعالى وهذا هو العبادة فعليه أن يعبده تعالى لأنه أهل لها.
وهذا هو الذي أشرنا إليه آنفا أن الرجل كان يعبد الله بالإخلاص له لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار بل لأنه أهل للعبادة.