فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 4314

فظهر: أن هذا الروح النبوي لا يحل محلا إلا بمصاحبة العصمة ، وهي المصونية عن الخطإ في أمر الدين والشريعة المشرعة ، وهذه العصمة غير العصمة عن المعصية كما أشرنا إليه سابقا ، فإن هذه عصمة في تلقي الوحي من الله سبحانه ، وتلك عصمة في مقام العمل والعبودية ، وهناك مرحلة ثالثة من العصمة وهي العصمة في تبليغ الوحي ، فإن كلتيهما واقعتان في طريق سعادة الإنسان التكوينية وقوعا تكوينيا ، ولا خطأ ولا غلط في التكوين.

وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن إشكال آخر في المقام وهو: أنه لم لا يجوز أن يكون هذا الشعور الباطني مثل الشعور الفطري المشترك أعني الشعور الفكري في نحو الوجود بأن يكون محكوما بحكم التغير والتأثر؟ فإن الشعور الفطري وإن كان أمرا غير مادي ، ومن الأمور القائمة بالنفس المجردة عن المادة إلا أنه من جهة ارتباطه بالمادة يقبل الشدة والضعف والبقاء والبطلان كما في مورد الجنون والسفاهة والبلاهة والغباوة وضعف الشيب وسائر الآفات الواردة على القوى المدركة ، فكذلك هذا الشعور الباطني أمر متعلق بالبدن المادي نحوا من التعلق ، وإن سلم أنه غير مادي في ذاته فيجب أن يكون حاله حال الشعور الفكري في قبول التغير والفساد ، ومع إمكان عروض التغير والفساد فيه يعود الإشكالات السابقة البتة.

والجواب: إنا بينا أن هذا السوق أعني سوق النوع الإنساني نحو سعادته الحقيقية إنما يتحقق بيد الصنع والإيجاد الخارجي دون العقل الفكري ، ولا معنى لتحقق الخطإ في الوجود الخارجي.

وأما كون هذا الشعور الباطني في معرض التغير والفساد لكونه متعلقا نحو تعلق بالبدن فلا نسلم كون كل شعور متعلق بالبدن معرضا للتغير والفساد ، وإنما القدر المسلم من ذلك هذا الشعور الفكري وقد مر أن الشعور النبوي ليس من قبيل الشعور الفكري وذلك أن من الشعور شعور الإنسان بنفسه ، وهو لا يقبل البطلان والفساد والتغير والخطأ فإنه علم حضوري معلومه عين المعلوم الخارجي ، وتتمة هذا الكلام موكول إلى محله.

فقد تبين مما مر أمور: أحدها: انسياق الاجتماع الإنساني إلى التمدن والاختلاف.

ثانيها: أن هذا الاختلاف القاطع لطريق سعادة النوع لا يرتفع ولن يرتفع بما يضعه العقل الفكري من القوانين المقررة.

ثالثها: أن رافع هذا الاختلاف إنما هو الشعور النبوي الذي يوجده الله سبحانه في بعض آحاد الإنسان لا غير.

رابعها: أن سنخ هذا الشعور الباطني الموجود في الأنبياء غير سنخ الشعور الفكري المشترك بين العقلاء من أفراد الإنسان.

خامسها: أن هذا الشعور الباطني لا يغلط في إدراكه الاعتقادات والقوانين المصلحة لحال النوع الإنساني في سعادته الحقيقية.

سادسها: أن هذه النتائج ويهمنا من بينها الثلاثة الأخيرة أعني: لزوم بعثة الأنبياء ، وكون شعور الوحي غير الشعور الفكري سنخا ، وكون النبي معصوما غير غالط في تلقي الوحي نتائج ينتجها الناموس العام المشاهد في هذه العالم الطبيعي ، وهو سير كل واحد من الأنواع المشهودة فيه نحو سعادته بهداية العلل الوجودية التي جهزتها بوسائل السير نحو سعادته والوصول إليها والتلبس بها ، والإنسان أحد هذه الأنواع ، وهو مجهز بما يمكنه به أن يعتقد الاعتقاد الحق ويتلبس بالملكات الفاضلة ، ويعمل عملا صالحا في مدينة صالحة فاضلة ، فلا بد أن يكون الوجود يهيىء له هذه السعادة يوما في الخارج ويهديه إليه هداية تكوينية ليس فيها غلط ولا خطأ على ما مر بيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت