فهرس الكتاب

الصفحة 3371 من 4314

و القوم لتقريبهم إشكال إطلاق الشفيع عليه تعالى على المعنى الثاني أي بمعنى كونه شفيعا عند غيره اختلفوا في تفسير الآية على أقوال: فقال بعضهم: إن دون في قوله:"ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع"بمعنى عند و"من دونه"حال من ضمير"لكم"والمعنى: ما لكم حال كونكم مجاوزين دونه ومن عند ولي ولا شفيع أي لا ولي لكم ولا شفيع ففيه نفي الولي والشفيع لهم عند الله.

وفيه أن دون وإن صح كونه بمعنى عند لكن وجود"من"قرينة على أنه بمعنى غير ، ولا معنى لأخذ المجاوزة ورجوع"ما لكم من دونه"إلى معنى"ما لكم عنده".

وقال بعضهم: إن الشفيع في الآية بمعنى الناصر مجازا ودون بمعنى غير و"من دونه"حال من"ولي"والمعنى: ما لكم ولي ولا ناصر غيره ، وفيه أنه تجوز من غير موجب.

وقال بعضهم إن إطلاق الشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيرا ما كانوا يقولون في آلهتهم: هؤلاء شفعاؤنا ويزعمون أن كل واحد منهم شفيع لهم والمعنى: على هذا لو فرض وقدر أن الإله ولي شفيع ما لكم ولي ولا شفيع غير الله سبحانه.

وقال بعضهم: إن دون بمعنى عند والضمير في"من دونه"للعذاب ، والمعنى: ليس لكم من دون عذابه ولي ، أي قريب ينفعكم ويرد عذابه عنكم ولا شفيع يشفع لكم.

وفيه أن إرجاع الضمير إلى العذاب تحكم من غير دليل ، ويرد على جميع هذه الوجوه أنها تكلفات ناشئة من أخذ الشفيع غير المشفوع عنده وقد عرفت أن المعنى تحليلي والشفيع والمشفوع عنده واحد.

وقوله:"أ فلا تتذكرون"استفهام توبيخي يوبخهم على استمرارهم على الإعراض عن أدلة العقول حتى يتذكروا أن الملك والتدبير لله سبحانه وهو المعبود بالحق ليس لهم دونه ولي ولا شفيع كما يزعمون ذلك لآلهتهم.

قوله تعالى:"يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون"تتميم لبيان أن تدبير أمر الموجودات قائم به سبحانه وهذا هو القرينة على أن المراد بالأمر في الآية الشأن دون الأمر المقابل للنهي.

والتدبير وضع الشيء في دابر الشيء والإتيان بالأمر بعد الأمر فيرجع إلى إظهار وجود الحوادث واحدا بعد واحد كالسلسلة المتصلة بين السماء والأرض وقد قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 ، وقال:"إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر: 49.

وقوله:"ثم يعرج إليه"بعد قوله:"يدبر الأمر من السماء إلى الأرض"لا يخلو من إشعار بأن"يدبر"مضمن معنى التنزيل والمعنى: يدبر الأمر منزلا أو ينزله مدبرا - من السماء إلى الأرض ولعله الأمر الذي يشير إليه قوله:"فسواهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها": حم السجدة: 12.

وفي قوله:"يعرج إليه"إشعار بأن المراد بالسماء مقام القرب الذي تنتهي إليه أزمة الأمور دون السماء بمعنى جهة العلو أو ناحية من نواحي العالم الجسماني فإن الأمر قد وصف قبل العروج بالنزول فظاهر العروج أنه صعود من الطريق التي نزل منها ، ولم يذكر هناك إلا علو هو السماء ، وسفل هو الأرض ونزول وعروج فالنزول من السماء والعروج إلى الله يشعر بأن السماء هو مقام الحضور الذي يصدر منه تدبير الأمر أو أن موطن تدبير الأمر الأرضي هو السماء والله المحيط بكل شيء ينزل التدبير الأرضي من هذا الموطن ، ولعل هذا هو الأقرب إلى الفهم بالنظر إلى قوله:"و أوحى في كل سماء أمرها".

وقوله:"في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون"معناه على أي حال أنه في ظرف لو طبق على ما في الأرض من زمان الحوادث ومقدار حركتها انطبق على ألف سنة مما نعده فإن من المسلم أن الزمان الذي يقدره ما نعده من الليل والنهار والشهور والسنين لا يتجاوز العالم الأرضي.

وإذ كان المراد بالسماء هو عالم القرب والحضور وهو مما لا سبيل للزمان إليه كان المراد أنه وعاء لو طبق على مقدار حركة الحوادث في الأرض كان مقداره ألف سنة مما تعدون.

وأما أن هذا المقدار هل هو مقدار النزول واللبث والعروج أو مقدار مجموع النزول والعروج دون اللبث أو مقدار كل واحد من النزول والعروج أو مقدار نفس العروج فقط بناء على أن"في يوم"قيد لقوله:"يعرج إليه"فقط كما وقع في قوله:"تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة": المعارج: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت