فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 4314

و كذا قوله تعالى:"إن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم:"النجم - 30 ، فبين تعالى أنهم يبنون الحياة على الظن والجهل ، والله سبحانه يدعو إلى دار السلام ، ويبني دينه على الحق والعلم ، والرسول يدعو الناس إلى ما يحييهم ، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم:"الأنفال - 24 ، وهذه الحياة هي التي يشير إليها قوله تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:"الأنعام - 122 ، وقال تعالى:"أ فمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب:"الرعد - 19 ، وقال تعالى:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين:"يوسف - 108 ، وقال تعالى:"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب:"الزمر - 9 ، وقال تعالى:"يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم:"البقرة - 129 ، إلى غير ذلك ، والقرآن مشحون بمدح العلم والدعوة إليه والحث به ، وناهيك فيه أنه يسمي العهد السابق على ظهور الإسلام عهد الجاهلية كما قيل.

فما أبعد من الإنصاف قول من يقول: إن الدين مبني على التقليد والجهل مضاد للعلم ومباهت له ، وهؤلاء القائلون أناس اشتغلوا بالعلوم الطبيعية والاجتماعية فلم يجدوا فيها ما يثبت شيئا مما وراء الطبيعة ، فظنوا عدم الإثبات إثباتا للعدم ، وقد أخطئوا في ظنهم ، وخبطوا في حكمهم ، ثم نظروا إلى ما في أيدي أمثالهم من الناس المتهوسين من أمور يسمونه باسم الدين ، ولا حقيقة لها غير الشرك ، والله بريء من المشركين ورسوله ، ثم نظروا إلى الدعوة الدينية بالتعبد والطاعة فحسبوها تقليدا وقد أخطئوا في حسبانهم ، والدين أجل شأنا من أن يدعو إلى الجهل والتقليد ، وأمنع جانبا من أن يهدي إلى عمل لا علم معه ، أو يرشد إلى قول بغير هدى ولا كتاب منير ، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه.

الاختلاف في نفس الدين

وبالجملة فهو تعالى يخبرنا أن الاختلاف في المعاش وأمور الحياة إنما رفع أول ما رفع بالدين ، فلو كانت هناك قوانين غير دينية فهي مأخوذة بالتقليد من الدين.

ثم إنه تعالى يخبرنا أن الاختلاف نشأ بين النوع في نفس الدين وإنما أوجده حملة الدين ممن أوتي الكتاب المبين: من العلماء بكتاب الله بغيا بينهم وظلما وعتوا ، قال تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، إلى أن قال ، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم:"الشورى - 14 ، وقال تعالى:"و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون:"يونس - 19 ، والكلمة المشار إليها في الآيتين هو قوله تعالى:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين:"الأعراف - 24 فالاختلاف في الدين مستند إلى البغي دون الفطرة ، فإن الدين فطري وما كان كذلك لا تضل فيه الخلقة ولا يتبدل فيه حكمها كما قال تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم:"الروم - 30 فهذه جمل ما بني عليه الكلام في هذه الآية الشريفة.

الإنسان بعد الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت