غير أن الإنسان لما وجد سائر الأفراد من نوعه ، وهم أمثاله ، يريدون منه ما يريده منهم ، صالحهم ورضي منهم أن ينتفعوا منه وزان ما ينتفع منهم ، وهذا حكمه بوجوب اتخاذ المدنية ، والاجتماع التعاوني ، ويلزمه الحكم بلزوم استقرار الاجتماع بنحو ينال كل ذي حق حقه ، ويتعادل النسب والروابط ، وهو العدل الاجتماعي.
فهذا الحكم أعني حكمه بالاجتماع المدني ، والعدل الاجتماعي إنما هو حكم دعا إليه الاضطرار ، ولو لا الاضطرار المذكور لم يقض به الإنسان أبدا ، وهذا معنى ما يقال: إن الإنسان مدني بالطبع ، وإنه يحكم بالعدل الاجتماعي ، فإن ذلك أمر ولده حكم الاستخدام المذكور اضطرارا على ما مر بيانه ، ولذلك كلما قوي إنسان على آخر ضعف حكم الاجتماع التعاوني وحكم العدل الاجتماعي أثرا فلا يراعيه القوي في حق الضعيف ونحن نشاهد ما يقاسيه ضعفاء الملل من الأمم القوية ، وعلى ذلك جرى التاريخ أيضا إلى هذا اليوم الذي يدعى أنه عصر الحضارة والحرية.
وهو الذي يستفاد من كلامه تعالى كقوله تعالى:"إنه كان ظلوما جهولا:"الأحزاب - 72 ، وقوله تعالى:"إن الإنسان خلق هلوعا:"المعارج - 19 ، وقوله تعالى:"إن الإنسان لظلوم كفار:"إبراهيم - 34 ، وقوله تعالى:"إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى:"العلق - 7.
ولو كان العدل الاجتماعي مما يقتضيه طباع الإنسان اقتضاء أوليا لكان الغالب على الاجتماعات في شئونها هو العدل ، وحسن تشريك المساعي ، ومراعاة التساوي ، مع أن المشهود دائما خلاف ذلك ، وإعمال القدرة والغلبة وتحميل القوي العزيز مطالبه الضعيف ، واستدلال الغالب للمغلوب واستعباده في طريق مقاصده ومطامعه.
حدوث الاختلاف بين أفراد الإنسان
ومن هنا يعلم أن قريحة الاستخدام في الإنسان بانضمامها إلى الاختلاف الضروري بين الأفراد من حيث الخلقة ومنطقة الحياة والعادات والأخلاق المستندة إلى ذلك ، وإنتاج ذلك للاختلاف الضروري من حيث القوة والضعف يؤدي إلى الاختلاف والانحراف عن ما يقتضيه الاجتماع الصالح من العدل الاجتماعي ، فيستفيد القوي من الضعيف أكثر مما يفيده ، وينتفع الغالب من المغلوب من غير أن ينفعه ويقابله الضعيف المغلوب ما دام ضعيفا مغلوبا بالحيلة والمكيدة والخدعة ، فإذا قوي وغلب قابل ظالمه بأشد الانتقام ، فكان بروز الاختلاف مؤديا إلى الهرج والمرج ، وداعيا إلى هلاك الإنسانية ، وفناء الفطرة ، وبطلان السعادة.
وإلى ذلك يشير تعالى بقوله:"و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا:"يونس - 19 ، وقوله تعالى:"و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم:"هود - 119 ، وقوله تعالى في الآية المبحوث عنها:"ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"الآية.
وهذا الاختلاف كما عرفت ضروري الوقوع بين أفراد المجتمعين من الإنسان لاختلاف الخلقة باختلاف المواد ، وإن كان الجميع إنسانا بحسب الصورة الإنسانية الواحدة ، والوحدة في الصورة تقتضي الوحدة من حيث الأفكار والأفعال بوجه ، واختلاف المواد يؤدي إلى اختلاف الإحساسات والإدراكات والأحوال في عين أنها متحدة بنحو ، واختلافها يؤدي إلى اختلاف الأغراض والمقاصد والآمال ، واختلافها يؤدي إلى اختلاف الأفعال ، وهو المؤدي إلى اختلال نظام الاجتماع.
وظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التشريع ، وهو جعل قوانين كلية يوجب العمل بها ارتفاع الاختلاف ، ونيل كل ذي حق حقه ، وتحميلها الناس.
والطريق المتخذ اليوم لتحميل القوانين المصلحة لاجتماع الإنسان أحد طريقين الأول: إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين الموضوعة لتشريك الناس في حق الحياة وتسويتهم في الحقوق ، بمعنى أن ينال كل من الأفراد ما يليق به من كمال الحياة ، مع إلغاء المعارف الدينية: من التوحيد والأخلاق الفاضلة ، وذلك بجعل التوحيد ملغى غير منظور إليه ولا مرعي ، وجعل الأخلاق تابعة للاجتماع وتحوله ، فما وافق حال الاجتماع من الأخلاق فهو الخلق الفاضل ، فيوما العفة ، ويوما الخلاعة ، ويوما الصدق ، ويوما الكذب ، ويوما الأمانة ، ويوما الخيانة ، وهكذا.
والثاني: إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين بتربية ما يناسبها من الأخلاق واحترامها مع إلغاء المعارف الدينية في التربية الاجتماعية.