فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 4314

و قد أنشأ الله سبحانه هذا النوع ، حين ما أنشأ مركبا من جزءين ومؤلفا من جوهرين ، مادة بدنية ، وجوهر مجرد هي النفس والروح ، وهما متلازمان ومتصاحبان ما دامت الحياة الدنيوية ، ثم يموت البدن ويفارقه الروح الحية ، ثم يرجع الإنسان إلى الله سبحانه قال تعالى:"و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون:"المؤمنون - 16 ، انظر إلى موضع قوله ثم أنشأناه خلقا آخر ، وفي هذا المعنى قوله تعالى:"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين:"ص - 72 ، وأوضح من الجميع قوله سبحانه"و قالوا أ إذا ضللنا في الأرض أ ئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون:"السجدة - 11 ، فإنه تعالى أجاب عن إشكالهم بتفرق الأعضاء والأجزاء واستهلاكها في الأرض بعد الموت فلا تصلح للبعث بأن ملك الموت يتوفاهم ويضبطهم فلا يدعهم ، فهم غير أبدانهم! فأبدانهم تضل في الأرض لكنهم أي نفوسهم غير ضالة ولا فائتة ولا مستهلكة ، وسيجيء إن شاء الله استيفاء البحث عما يعطيه القرآن في حقيقة الروح الإنساني في المحل المناسب له.

شعوره الحقيقي وارتباطه بالأشياء

وقد خلق الله سبحانه هذا النوع ، وأودع فيه الشعور ، وركب فيه السمع والبصر والفؤاد ففيه قوة الإدراك والفكر ، بها يستحضر ما هو ظاهر عنده من الحوادث وما هو موجود في الحال وما كان وما سيكون ويئول إليه أمر الحدوث والوقوع ، فله إحاطة ما بجميع الحوادث ، قال تعالى:"علم الإنسان ما لم يعلم:"العلق 5 ، وقال تعالى:"و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة:"النحل - 78 ، وقال تعالى"و علم آدم الأسماء كلها:"البقرة - 31 ، وقد اختار تعالى لهذا النوع سنخ وجود يقبل الارتباط بكل شيء ، ويستطيع الانتفاع من كل أمر ، أعم من الاتصال أو التوسل به إلى غيره بجعله آلة وأداة للاستفادة من غيره ، كما نشاهده من عجيب احتيالاته الصناعية ، وسلوكه في مسالكه الفكرية ، قال تعالى:"خلق لكم ما في الأرض جميعا": البقرة - 29 ، وقال تعالى:"و سخر لكم ما في السموات والأرض جميعا منه:"الجاثية - 13 ، إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بكون الأشياء مسخرة للإنسان.

علومه العملية

وأنتجت هاتان العنايتان: أعني قوة الفكر والإدراك ورابطة التسخير عناية ثالثة عجيبة وهي أن يهيىء لنفسه علوما وإدراكات يعتبرها اعتبارا للورود في مرحلة التصرف في الأشياء وفعلية التأثير والفعل في الموجودات الخارجة عنه للانتفاع بذلك في حفظ وجوده وبقائه.

توضيح ذلك: أنك إذا خليت ذهنك وأقبلت به على الإنسان ، هذا الموجود الأرضي الفعال بالفكر والإرادة ، واعتبرت نفسك كأنك أول ما تشاهده وتقبل عليه وجدت الفرد الواحد منه أنه في أفعاله الحيوية يوسط إدراكات وأفكار جمة غير محصورة يكاد يدهش من كثرتها واتساع أطرافها وتشتت جهاتها العقل ، وهي علوم كانت العوامل في حصولها واجتماعها وتجزيها وتركبها الحواس الظاهرة والباطنة من الإنسان ، أو تصرف القوة الفكرية فيها تصرفا ابتدائيا أو تصرفا بعد تصرف ، وهذا أمر واضح يجده كل إنسان من نفسه ومن غيره لا يحتاج في ذلك إلى أزيد من تنبيه وإيقاظ.

ثم إذا كررت النظر في هذه العلوم والإدراكات وجدت شطرا منها لا يصلح لأن يتوسط بين الإنسان وبين أفعاله الإرادية كمفاهيم الأرض والسماء والماء والهواء والإنسان والفرس ونحو ذلك من التصورات ، وكمعاني قولنا: الأربعة زوج ، والماء جسم سيال والتفاح أحد الثمرات ، وغير ذلك من التصديقات ، وهي علوم وإدراكات تحققت عندنا من الفعل والانفعال الحاصل بين المادة الخارجية وبين حواسنا وأدواتنا الإدراكية ، ونظيرها علمنا الحاصل لنا من مشاهدة نفوسنا وحضورها لدينا ما نحكي عنه بلفظ أنا ، والكليات الآخر المعقولة ، فهذه العلوم والإدراكات لا يوجب حصولها لنا تحقق إرادة ولا صدور فعل ، بل إنما تحكي عن الخارج حكاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت