و الاعتبار يستدعي أن تكون آية سورة الحج هي التي نزلت أولا وذلك لاشتمالها على الإذن صريحا واحتفافها بالتوطئة والتمهيد وتهييج القوم وتقوية قلوبهم وتثبيت أقدامهم بوعد النصر تلويحا وتصريحا وذكر ما فعل الله بالقرى الظالمة قبلهم وكل ذلك من لوازم تشريع الأحكام الهامة وبيانها وإبلاغها لأول مرة وخاصة الجهاد الذي بناؤه على أساس التضحية والتفدية وهو أشق حكم اجتماعي وأصعبه في الإسلام وأمسه بحفظ المجتمع الديني قائما على ساقه فإن إبلاغ مثله لأول مرة أحوج إلى بسط الكلام واستيقاظ الأفهام كما هو مشاهد في هذه الآيات.
فقد افتتحت أولا بأن الله هو مولى المؤمنين المدافع عنهم.
ثم نص على إذنهم في القتال وذكر أنهم مظلومون والقتال هو السبيل لحفظ المجتمعات الصالحة ووصفهم بأنهم صالحون لعقد مجتمع ديني يعمل فيه الصالحات ثم ذكر ما فعله بالقرى الظالمة قبلهم وأنه سيأخذهم كما أخذ الذين قبلهم.
قوله تعالى:"إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور"المدافعة مبالغة في الدفع ، والخوان اسم مبالغة من الخيانة وكذا الكفور من الكفران والمراد بالذين آمنوا المؤمنون من الأمة وإن انطبق بحسب المورد على المؤمنين في ذلك الوقت لأن الآيات تشرع القتال ولا يختص حكمه بطائفة دون طائفة ، والمورد لا يكون مخصصا.
والمراد بكل خوان كفور المشركون ، وإنما كانوا مكثرين في الخيانة والكفران لأن الله حملهم أمانة الدين الحق وجعلها وديعة عند فطرتهم لينالوا بحفظه ورعايته سعادة الدارين وعرفهم إياه من طريق الرسالة فخانوه بالجحد والإنكار وغمرهم بنعمه الظاهرة والباطنة فكفروا بها ولم يشكروه بالعبودية.
وفي الآية تمهيد لما في الآية التالية من الإذن في القتال فذكر تمهيدا أن الله يدافع عن الذين آمنوا وإنما يدفع عنهم المشركين لأنه يحب هؤلاء ولا يحب أولئك لخيانتهم وكفرهم فهو إنما يحب هؤلاء لأمانتهم وشكرهم فهو إنما يدافع عن دينه الذي عند المؤمنين.
فهو تعالى مولاهم ووليهم الذي يدفع عنهم أعداءه كما قال:"ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم:"سورة محمد: 11.
قوله تعالى:"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير"ظاهر السياق أن المراد بقوله:"أذن"إنشاء الإذن دون الإخبار عن إذن سابق وإنما هو إذن في القتال كما يدل عليه قوله:"للذين يقاتلون"إلخ ، ولذا بدل قوله:"الذين آمنوا"من قوله:"الذين يقاتلون"ليدل على المأذون فيه.
والقراءة الدائرة"يقاتلون"بفتح التاء مبنيا للمفعول أي الذين يقاتلهم المشركون لأنهم الذين أرادوا القتال وبدءوهم به ، والباء في"بأنهم ظلموا"للسببية وفيه تعليل الإذن في القتال أي أذن لهم فيه بسبب أنهم ظلموا ، وأما ما هو الظلم فتفسيره قوله:"الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق"إلخ.
وفي عدم التصريح بفاعل"أذن"تعظيم وتكبير ونظيره ما في قوله:"و إن الله على نصرهم لقدير"من ذكر القدرة على النصر دون فعليته فإن فيه إشارة إلى أنه مما لا يهتم به لأنه هين على من هو على كل شيء قدير.
والمعنى أذن - من جانب الله - للذين يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون بسبب أنهم ظلموا - من جانب المشركين - وإن الله على نصرهم لقدير ، وهو كناية عن النصر.
قوله تعالى:"الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله"إلى آخر الآية بيان جهة كونهم مظلومين وهو أنهم أخرجوا من ديارهم وقد أخرجهم المشركون من ديارهم بمكة بغير حق يجوز لهم إخراجهم.
ولم يخرجوهم بحمل وتسفير بل آذوهم وبالغوا في إيذائهم وشددوا بالتعذيب والتفتين حتى اضطروهم إلى الهجرة من مكة والتغرب عن الوطن وترك الديار والأموال فقوم إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإخراجهم إياهم إلجاؤهم إلى الخروج.
وقوله:"إلا أن يقولوا ربنا الله"استثناء منقطع معناه ولكن أخرجوا بسبب أن يقولوا ربنا الله ، وفيه إشارة إلى أن المشركين انحرفوا في فهمهم وألحدوا عن الحق إلى حيث جعلوا قول القائل ربنا الله وهو كلمة الحق يبيح لهم أن يخرجوه من داره.
وقيل: الاستثناء متصل والمستثنى منه هو الحق والمعنى أخرجوا بغير حق إلا الحق الذي هو قولهم: ربنا الله.