فهرس الكتاب

الصفحة 2945 من 4314

و المشركون من الوثنيين منكرون للنبوة من رأس فقول هؤلاء: فليأتنا بآية كما أرسل الأولون دليل ظاهر على أنهم متحيرون في أمرهم لا يدرون ما يصنعون؟ فتارة يواجهونه بالتهكم وأخرى يتحكمون وثالثة بما يناقض معتقد أنفسهم فيقترحون آية من آيات الأولين وهم لا يؤمنون برسالتهم ولا يعترفون بآياتهم.

وفي قولهم:"فليأتنا بآية كما أرسل الأولون"، مع ذلك وعد ضمني بالإيمان لو أتى بآية من الآيات المقترحة.

قوله تعالى:"ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أ فهم يؤمنون"رد وتكذيب لما يشتمل عليه قولهم:"فليأتنا بآية كما أرسل الأولون"من الوعد الضمني بالإيمان لو أتى بشيء مما اقترحوه من آيات الأولين.

ومحصل المعنى على ما يعطيه السياق أنهم كاذبون في وعدهم ولو أنزلنا شيئا مما اقترحوه من آيات الأولين لم يؤمنوا بها وكان فيها هلاكهم فإن الأولين من أهل القرى اقترحوها فأنزلناها فلم يؤمنوا بها فأهلكناهم ، وطباع هؤلاء طباع أوليهم في الإسراف والاستكبار فليسوا بمؤمنين فالآية بوجه مثل قوله:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74.

وعلى هذا ففي الآية حذف وإيجاز والتقدير نحو من قولنا: ما آمنت قبلهم أهل قرية اقترحوا الآيات فأنزلناها عليهم واهلكناهم لما لم يؤمنوا بها بعد النزول أ فهم يعني مشركي العرب يؤمنون وهم مثلهم في الإسراف فتوصيف القرية بقوله:"أهلكناها"توصيف بآخر ما اتصفت بها للدلالة على أن عاقبة إجابة ما اقترحوه هي الهلاك لا غير.

قوله تعالى:"و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"جواب عما احتجوا به على نفي نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم:"هل هذا إلا بشر مثلكم"، بأن الماضين من الأنبياء لم يكونوا إلا رجالا من البشر فالبشرية لا تنافي النبوة.

وتوصيف"رجالا"بقوله:"نوحي إليهم"للإشارة إلى الفرق بين الأنبياء وغيرهم ومحصله أن الفرق الوحيد بين النبي وغيره هو أنا نوحي إلى الأنبياء دون غيرهم والوحي موهبة ومن خاص لا يجب أن يعم كل بشر فيكون إذا تحقق تحقق في الجميع وإذا لم يوجد في واحد لم يوجد في الجميع حتى تحكموا بعدم وجدانه عندكم على عدم وجوده عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك كسائر الصفات الخاصة التي لا توجد إلا في الواحد بعد الواحد من البشر مما لا سبيل إلى إنكارها.

فالآية تنحل إلى حجتين تقومان على إبطال استدلالهم ببشريته على نفي نبوته: إحداهما نقض حجتهم بالإشارة إلى رجال من البشر كانوا أنبياء فلا منافاة بين البشرية والنبوة.

والثانية: من طريق الحل وهو أن الفارق بين النبي وغيره ليس وصفا لا يوجد في البشر أو إذا وجد وجد في الجميع بل هو الوحي الإلهي وهو كرامة ومن خاص من الله يختص به من يشاء فالآية بهذا النظر نظيرة قوله:"قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا - إلى أن قال -: قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء:"إبراهيم: 11.

وقوله:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"تأييد وتحكيم لقوله:"و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا"أي إن كنتم تعلمون به فهو وإن لم تعلموا فارجعوا إلى أهل الذكر واسألوهم هل كانت الأنبياء الأولون إلا رجالا من البشر؟.

والمراد بالذكر الكتاب السماوي وبأهل الذكر أهل الكتاب فإنهم كانوا يشايعون المشركين في عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان المشركون يعظمونهم وربما شاوروهم في أمره وسألوهم عن مسائل يمتحنونه بها وهم القائلون للمشركين على المسلمين:"هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا:"النساء: 51 ، والخطاب في قوله"فاسألوا"إلخ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل من يقرع سمعه هذا الخطاب عالما كان أو جاهلا وذلك لتأييد القول وهو شائع في الكلام.

قوله تعالى:"و ما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين"- إلى قوله - المسرفين"أي هم رجال من البشر وما سلبنا عنهم خواص البشرية بأن نجعلهم جسدا خاليا من روح الحياة لا يأكل ولا يشرب ولا عصمناهم من الموت فيكونوا خالدين بل هم بشر ممن خلق يأكلون الطعام وهو خاصة ضرورية ويموتون وهو مثل الأكل."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت