فهرس الكتاب

الصفحة 2906 من 4314

فقوله:"و لا يفلح الساحر حيث أتى"نظير قوله:"إن الله لا يهدي القوم الظالمين:"الأنعام: 144 ،"و الله لا يهدي القوم الفاسقين": المائدة: 108 ، وغيرهما والجميع من فروع"إن الباطل كان زهوقا:"الإسراء: 81 ،"و يمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته:"الشورى: 24 ، فلا يزال الباطل يزين أمورا ويشبهها بالحق ولا يزال الحق يمحوه ويلقف ما أظهره لوهم الناظرين سريعا أو بطيئا فمثل عصا موسى وسحر السحرة يجري في كل باطل يبدو وحق يلقفه ويزهقه ، وقد تقدم في تفسير قوله:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها:"الرعد: 17 ، كلام نافع في المقام.

قوله تعالى:"فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى"في الكلام حذف وإيجاز والتقدير فألقى ما في يمينه فتلقف ما صنعوا فألقي السحرة وفي التعبير بقوله:"فألقي السحرة"بالبناء للمفعول دون أن يقال: فسجد السحرة إشارة إلى إذلال القدرة الإلهية لهم وغشيان الحق بظهوره إياهم بحيث لم يجدوا بدا دون أن يخروا على الأرض سجدا كأنهم لا إرادة لهم في ذلك وإنما ألقاهم ملق غيرهم دون أن يعرفوه من هو؟.

وقولهم:"آمنا برب هارون وموسى"شهادة منهم بالإيمان وإنما أضافوه تعالى إلى موسى وهارون ليكون فيه الشهادة على ربوبيته تعالى ورسالة موسى وهارون معا وفصل قوله:"قالوا"إلخ من غير عطف لكونه كالجواب لسؤال مقدر كأنه قيل: فما قالوا فقيل: قالوا إلخ.

قوله تعالى:"قال آمنتم له قبل أن آذن لكم"إلى آخر الآية ، الكبير الرئيس وقطع الأيدي والأرجل من خلاف أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والتصليب تكثير الصلب وتشديده كالتقطيع الذي هو تكثير القطع وتشديده والجذوع جمع جذع وهو ساقة النخل.

وقوله:"آمنتم له قبل أن آذن لكم"تهديد من فرعون للسحرة حيث آمنوا والجملة استفهامية محذوفة الأداة والاستفهام للإنكار أو خبرية مسوقة لتقرير الجرم ، وقوله:"إنه لكبيركم الذي علمكم السحر"رمي لهم بتوطئة سياسية على المجتمع القبطي في أرض مصر كأنهم تواطئوا مع رئيسهم أن يتنبأ موسى فيدعو أهل مصر إلى الله ويأتي في ذلك بسحر فيستنصروا بالسحرة حتى إذا حضروه واجتمعوا على مغالبته تخاذلوا وانهزموا عنه وآمنوا واتبعتهم العامة فذهبت طريقتهم المثلى من بينهم وأخرج من لم يؤمن منهم قال تعالى في موضع آخر:"إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها:"الأعراف: 123 ، وإنما رماهم بهذا القول تهييجا للعامة عليهم كما رمى موسى (عليه السلام) بمثله في أول يوم.

وقوله:"فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف"إلى آخر الآية ، إيعاد لهم وتهديد بالعذاب الشديد ولم يذكر تعالى في كلامه أنجز فيهم ذلك أم لا؟.

قوله تعالى:"قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا"كلام بليغ في منطوقه بالغ في مفهومه بعيد في معناه رفيع في منزلته يغلي ويفور علما وحكمة فهؤلاء قوم كانوا قبل ساعة وقد ملأت هيبة فرعون وأبهته قلوبهم وأذلت زينات الدنيا وزخارفها التي عنده - وليست إلا أكاذيب خيال وأباطيل وهم - نفوسهم يسمونه ربا أعلى ويقولون حينما ألقوا حبالهم وعصيهم:"بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون"فما لبثوا دون أن ظهرت لهم آيات الحق فبهرت أبصارهم فطاحت عند ذلك ما كانوا يرون لفرعون من عزة وسلطان ولما عنده من زينة الدنيا وزخرفها من قدر ومنزلة وغشيت قلوبهم فأزالت منها رذيلة الجبن والملق واتباع الهوى والتوله إلى سراب زينة الحياة الدنيا ومكنت فيها التعلق بالحق والدخول تحت ولاية الله والاعتزاز بعزته فلا يريدون إلا ما أراده الله ولا يرجون إلا الله ولا يخافون إلا الله عز اسمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت