قوله تعالى:"و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى"الجهر بالقول: رفع الصوت به ، والإسرار خلافه ، قال تعالى:"و أسروا قولكم أو اجهروا به:"الملك: 13 ، والسر هو الحديث المكتوم في النفس ، وقوله:"و أخفى"أفعل التفضيل من الخفاء على ما يعطيه سياق الترقي في الآية ولا يصغى إلى قول من قال: إن"أخفى"فعل ماض فاعله ضمير راجع إليه تعالى ، والمعنى: أنه يعلم السر وأخفى علمه.
هذا.
وفي تنكير"أخفى"تأكيد للخفاء.
وذكر الجهر بالقول في الآية أولا ثم إثبات العلم بما هو أدق منه وهو السر والترقي إلى أخفى يدل على أن المراد إثبات العلم بالجميع ، والمعنى: وإن تجهر بقولك وأعلنت ما تريده - وكأن المراد بالقول ما في الضمير من حيث إن ظهوره إنما هو بالقول غالبا - أو أسررته في نفسك وكتمته أو كان أخفى من ذلك بأن كان خفيا حتى عليك نفسك فإن الله يعلمه.
فالأصل ترديد القول بين المجهور به والسر وأخفى وإثبات العلم بالجميع ثم وضع إثبات العلم بالسر وأخفى موضع الترديد الثاني والجواب إيجازا.
فدل على الجواب في شقي الترديد معا وعلى معنى الأولوية بأوجز بيان كأنه قيل: وإن تسأل عن علمه بما تجهر به من قولك فهو يعلمه وكيف لا يعلمه؟ وهو يعلم السر وأخفى منه فهو في الكلام من لطيف الصنعة.
وذكر بعضهم أن المراد بالسر ما أسررته من القول إلى غيرك ولم ترفع صوتك به ، والمراد بأخفى منه ما أخطرته ببالك هذا والذي ذكره حق في الإسرار لكن القول لا يسمى سرا إلا من جهة كتمانه في النفس فالمعول على ما قدمناه من المعنى.
وكيف كان فالآية تثبت علمه تعالى بكل شيء ظاهر أو خفي فهي في ذكر العلم عقيب الاستواء على العرش نظيرة قوله تعالى:"ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها"الآية: الحديد: 4 ، ومعلوم أن علمه تعالى بما يجري في ملكه ويحدث في مستقر سلطانه من الحوادث يستلزم رضاه بذلك وإذنه وبنظر آخر مشيئته لهذا النظام الجاري وهذا هو التدبير.
فالآية تثبت عموم التدبير كما أن الآية السابقة كانت تثبت عموم الملك ومجموع مدلوليهما هو الملك والتدبير وذلك معنى الربوبية المطلقة فالآيتان في مقام التعليل تثبت بهما ربوبيته تعالى المطلقة.
قوله تعالى:"الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى"بمنزلة النتيجة لما تقدم من الآيات ولذلك كان الأنسب أن يكون اسم الجلالة خبرا لمبتدإ محذوف والتقدير هذا المذكور في الآيات السابقة هو الله لا إله إلا هو... إلخ ، وإن كان الأقرب بالنظر إلى استقلال الآية وجامعيتها في مضمونها أن يكون اسم الجلالة مبتدأ وقوله:"لا إله إلا هو"خبره ، وقوله:"له الأسماء الحسنى"خبرا بعد خبر.
وكيف كان فقوله:"الله لا إله إلا هو"يمكن أن يعلل بما ثبت في الآيات السابقة من توحده تعالى بالربوبية المطلقة ويمكن أن يعلل بقوله بعده:"له الأسماء الحسنى".
أما الأول فلأن معنى الإله في كلمة التهليل إما المعبود وإما المعبود بالحق فمعنى الكلام الله لا معبود حق غيره أو لا معبود بالحق موجود غيره والمعبودية من شئون الربوبية ولواحقها فإن العبادة نوع تمثيل وترسيم للعبودية والمملوكية وإظهار للحاجة إليه فمن الواجب أن يكون المعبود مالكا لعابده مدبرا أمره أي ربا له وإذ كان تعالى رب كل شيء لا رب سواه فهو المعبود لا معبود سواه.
وأما الثاني فلأن العبادة لأحد ثلاث خصال إما رجاء لما عند المعبود من الخير فيعبد طمعا في الخير الذي عنده لينال بذلك ، وإما خوفا مما في الإعراض عنه وعدم الاعتناء بأمره من الشر وإما لأنه أهل للعبادة والخضوع.
والله سبحانه هو المالك لكل خير لا يملك شيء شيئا من الخير إلا ما ملكه هو إياه وهو المالك مع ذلك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره وهو المنعم المفضل المحيي الشافي الرازق الغفور الرحيم الغني العزيز وله كل اسم فيه معنى الخير فهو سبحانه المستحق للعبادة رجاء لما عنده من الخير دون غيره.
والله سبحانه هو العزيز القاهر الذي لا يقوم لقهره شيء وهو المنتقم ذو البطش شديد العقاب لا شر لأحد عند أحد إلا بإذنه فهو المستحق لأن يعبد خوفا من غضبه لو لم يخضع لعظمته وكبريائه.