و المعروف من مذهب النحاة في لفظ"يا أبت"أن التاء عوض من ياء المتكلم ومثله"يا أمت"ويختص التعويض بالنداء فلا يقال مثلا قال أبت وقالت أمت.
قوله تعالى:"يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا"لما بين له بطلان عبادته للأصنام ولغويتها وكان لازم معناه أنه سالك طريق غير سوي عن جهل نبهه أن له علما بهذا الشأن ليس عنده وعليه أن يتبعه حتى يهديه إلى صراط - وهو الطريق الذي لا يضل سالكه لوضوحه - سوي هو في غفلة من أمره ، ولذا نكره إذ قال:"أهدك صراطا سويا"ولم يقل: أهدك الصراط السوي كأنه يقول: إذ كنت تسلك صراطا ولا محالة من سلوكه فلا تسلك هذا الصراط غير السوي بجهالة بل اتبعني أهدك صراطا سويا فإني لذو علم بهذا الشأن.
وفي قوله:"قد جاءني من العلم"دليل على أنه أوتي العلم بالحق قبل دعوته ومحاجته هذه وفيه تصديق ما قدمناه في قصته (عليه السلام) من سورة الأنعام أنه أوتي العلم بالله ومشاهدة ملكوت السماوات والأرض قبل أن يلقى أباه وقومه ويحاجهم.
والمراد بالهداية في قوله:"أهدك صراطا سويا"الهداية بمعنى إراءة الطريق دون الإيصال إلى المطلوب فإنه شأن الإمام ولم يجعل إماما ، بعد وقد فصلنا القول في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى:"قال إني جاعلك للناس إماما": البقرة: 134.
قوله تعالى:"يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا"إلى آخر الآيتين الوثنيون يرون وجود الجن - وإبليس من الجن - ويعبدون أصنامهم كما يعبدون أصنام الملائكة والقديسين من البشر ، غير أنه ليس المراد بالنهي النهي عن العبادة بهذا المعنى إذ لا موجب لتخصيص الجن من بين معبوديهم بالنهي عن عبادتهم بل المراد بالعبادة الطاعة كما في قوله تعالى:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان"الآية: يس: 60 ، فالنهي عن عبادة الشيطان نهي عن طاعته فيما يأمر به ومما يأمر به عبادة غير الله.
لما دعاه إلى اتباعه ليهديه إلى صراط سوي أراد أن يحرضه على الاتباع بقلعه عما هو عليه فنبهه على أن عبادة الأصنام ليست مجرد لغو لا يضر ولا ينفع بل هي في معرض أن تورد صاحبها مورد الهلاك وتدخله تحت ولاية الشيطان التي لا مطمع بعدها في صلاح وفلاح ولا رجاء لسلامة وسعادة.
وذلك أن عبادتها - والمستحق للعبادة هو الله سبحانه لكونه رحمانا تنتهي إليه كل رحمة - والتقرب إليها إنما هي من الشيطان وتسويله ، والشيطان عصي للرحمن لا يأمر بشيء فيه رضاه وإنما يوسوس بما فيه معصيته المؤدية إلى عذابه وسخطه والعكوف على معصيته وخاصة في أخص حقوقه وهي عبادته وحده ، فيه مخافة أن ينقطع عن العاصي رحمته وهي الهداية إلى السعادة وينزل عليه عذاب الخذلان فلا يتولى الله أمره فيكون الشيطان هو مولاه وهو ولي الشيطان وهو الهلاك.
فمعنى الآيتين - والله أعلم - يا أبت لا تطع الشيطان فيما يأمرك به من عبادة الأصنام لأن الشيطان عصي مقيم على معصية الله الذي هو مصدر كل رحمة ونعمة فهو لا يأمر إلا بما فيه معصيته والحرمان عن رحمته ، وإنما أنهاك عن معصيته في طاعة الشيطان لأني أخاف يا أبت أن يأخذك شيء من عذاب خذلانه وينقطع عنك رحمته فلا يبقى لتولي أمرك إلا الشيطان فتكون وليا للشيطان والشيطان مولاك.
وقد ظهر مما تقدم: أولا: أن المراد بالعبادة في قوله:"لا تعبد الشيطان"عبادة الطاعة ، ولوصف الشيطان - ومعناه الشرير - دخل في الحكم.
وثانيا: وجه تبديل اسم الجلالة من وصف الرحمن في موضعين فإن لوصف الرحمة المطلقة دخلا في الحكمين فإن كونه تعالى مصدرا لكل رحمة ونعمة هو الموجب لقبح الإصرار على معصيته والمصحح للنهي عن طاعة من يقيم على عصيانه ، وكذا مصدريته لكل رحمة هو الباعث على الخوف من عذابه الذي يلازم إمساك الرحمة وغشيان النقمة والشقوة.
وثالثا: أن المراد بالعذاب هو الخذلان ، أو ما هو بمعناه كإمساك الرحمة وترك الإنسان ونفسه ، وما ذكره بعضهم أن المراد به العذاب الأخروي لا يساعد عليه السياق.