أقول: اختلاف الروايتين في إثبات الظهرين وعدمه يمكن أن يحمل على مراتب الاستحباب ، وقوله (عليه السلام) : يعني الصلاة لعله يريد: أن المعنى ولتكملوا العدة أي عدة أيام الصوم بصلاة العيد ولتكبروا الله مع الصلوات على ما هديكم ، وهو غير مناف لما ذكرناه من ظاهر معنى قوله: ولتكبروا الله على ما هديكم ، فإنه استفادة حكم استحبابي من مورد الوجوب نظير ما مر في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، من استفادة كراهة الخروج إلى السفر في الشهر لمن شهد الليلة الأولى منه هذا ، واختلاف آخر التكبيرات في الموضعين من الرواية الأخيرة يؤيد ما قيل: إن قوله: ولتكبروا الله على ما هديكم ، بتضمين التكبير معنى الحمد ولذلك عدي بعلى.
وفي تفسير العياشي ، عن ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له ، جعلت فداك ما يتحدث به عندنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صام تسعة وعشرين أكثر مما صام ثلاثين أ حق هذا؟ قال ما خلق الله من هذا حرفا فما صام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ثلاثين لأن الله يقول: ولتكملوا العدة فكان رسول الله ينقصه.
أقول: قوله: فكان رسول الله في مقام الاستفهام الإنكاري ، والرواية تدل على ما قدمناه: أن ظاهر التكميل تكميل شهر رمضان.
وفي محاسن البرقي ، عن بعض أصحابنا رفعه: في قوله: ولتكبروا الله على ما هديكم قال: التكبير التعظيم ، والهداية الولاية.
أقول: وقوله: والهداية الولاية من باب الجري وبيان المصداق: ويمكن أن يكون من قبيل ما يسمى تأويلا كما ورد في بعض الروايات أن اليسر هو الولاية ، والعسر الخلاف وولاية أعداء الله.
وفي الكافي ، عن حفص بن الغياث عن أبي عبد الله ، قال: سألته عن قول الله عز وجل: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، وإنما أنزل في عشرين بين أوله وآخره فقال أبو عبد الله: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة ، ثم قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان وأنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان: . أقول: ما رواه (عليه السلام) عن النبي رواه السيوطي في الدر المنثور ، بعدة طرق عن وائلة بن الأسقع عن النبي. وفي الكافي ، والفقيه ، عن يعقوب قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عن ليلة القدر فقال أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كل سنة؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن. وفي الدر المنثور ، عن ابن عباس. قال: شهر رمضان والليلة المباركة وليلة القدر فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في رمضان نزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور وهو موقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن ثم نزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسلا رسلا.
أقول: وروي هذا المعنى عن غيره أيضا كسعيد بن جبير ويظهر من كلامه أنه إنما استفاد ذلك من الآيات القرآنية كقوله تعالى:"و الذكر الحكيم:"آل عمران - 58 وفي قوله تعالى:"و كتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع:"الطور - 5 ، وقوله تعالى:"فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون:"الواقعة - 79 ، وقوله تعالى:"و زينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا": حم السجدة - 12 ، وجميع ذلك ظاهر إلا ما ذكره في مواقع وأنه السماء الأولى وموطن القرآن فإن فيه خفاء ، والآيات من سورة الواقعة غير واضحة الدلالة على ذلك ، وقد ورد من طرق أهل البيت أن البيت المعمور في السماء ، وسيجيء الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى ، ومما يجب أن يعلم أن الحديث كمثل القرآن في اشتماله على المحكم والمتشابه ، والكلام على الإشارة والرمز شائع فيه ، ولا سيما في أمثال هذه الحقائق: من اللوح والقلم والحجب والسماء والبيت المعمور والبحر المسجور فمما يجب للباحث أن يبذل جهده في الحصول على القرائن.