فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 4314

و ربما يقال: إن المراد بالذين من قبلكم اليهود والنصارى أو السابقين من الأنبياء استنادا إلى روايات لا تخلو عن ضعف.

قوله تعالى: لعلكم تتقون ، كان أهل الأوثان يصومون لإرضاء آلهتهم أو لإطفاء نائرة غضبها إذا أجرموا جرما أو عصوا معصية ، وإذا أرادوا إنجاح حاجة وهذا يجعل الصيام معاملة ومبادلة يعطي بها حاجة الرب ليقضي حاجة العبد أو يستحصل رضاه ليستحصل رضا العبد ، وأن الله سبحانه أمنع جانبا من أن يتصور في حقه فقر أو حاجة أو تأثر أو أذى ، وبالجملة هو سبحانه بريء من كل نقص ، فما تعطيه العبادات من الأثر الجميل ، أي عبادة كانت وأي أثر كان ، إنما يرجع إلى العبد دون الرب تعالى وتقدس ، كما أن المعاصي أيضا كذلك ، قال تعالى:"إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها:"الإسراء - 7 ، هذا هو الذي يشير إليه القرآن الكريم في تعليمه بإرجاع آثار الطاعات والمعاصي إلى الإنسان الذي لا شأن له إلا الفقر والحاجة ، قال تعالى:"يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني:"الفاطر - 15 ويشير إليه في خصوص الصيام بقوله لعلكم تتقون وكون التقوى مرجو الحصول بالصيام مما لا ريب فيه فإن كل إنسان يشعر بفطرته أن من أراد الاتصال بعالم الطهارة والرفعة ، والارتقاء إلى مدرجة الكمال والروحانية فأول ما يلزمه أن يتنزه عن الاسترسال في استيفاء لذائذ الجسم وينقبض عن الجماح في شهوات البدن ويتقدس عن الإخلاد إلى الأرض ، وبالجملة أن يتقي ما يبعده الاشتغال به عن الرب تبارك وتعالى فهذه تقوى إنما تحصل بالصوم والكف عن الشهوات ، وأقرب من ذلك وأمس لحال عموم الناس من أهل الدنيا وأهل الآخرة أن يتقي ما يعم به البلوى من المشتهيات المباحة كالأكل والشرب والمباشرة حتى يحصل له التدرب على اتقاء المحرمات واجتنابها ، وتتربى على ذلك إرادته في الكف عن المعاصي والتقرب إلى الله سبحانه ، فإن من أجاب داعي الله في المشتهيات المباحة وسمع وأطاع فهو في محارم الله ومعاصيه أسمع وأطوع.

قوله تعالى: أياما معدودات ، منصوب على الظرفية بتقدير ، في ، ومتعلق بقوله: الصيام ، وقد مر أن تنكير أيام واتصافه بالعدد للدلالة على تحقير التكليف من حيث الكلفة والمشقة تشجيعا للمكلف ، وقد مر أن قوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"إلخ"، بيان للأيام فالمراد بالأيام المعدودات شهر رمضان.

وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد بالأيام المعدودات ثلاث أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء ، وقال بعضهم: والثلاث الأيام هي الأيام البيض من كل شهر وصوم يوم عاشوراء فقد كان رسول الله والمسلمون يصومونها ثم نزل قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلخ ، فنسخ ذلك واستقر الفرض على صوم شهر رمضان ، واستندوا في ذلك إلى روايات كثيرة من طرق أهل السنة والجماعة لا تخلو في نفسها عن اختلاف وتعارض.

والذي يظهر به بطلان هذا القول أولا: أن الصيام كما قيل: عبادة عامة شاملة ، ولو كان الأمر كما يقولون لضبطه التاريخ ولم يختلف في ثبوته ثم في نسخة أحد وليس كذلك ، على أن لحوق يوم عاشوراء بالأيام الثلاث من كل شهر في وجوب الصوم أو استحبابه ككونه عيدا من الأعياد الإسلامية مما ابتدعه بنو أمية لعنهم الله حيث أبادوا فيه ذرية رسول الله وأهل بيته بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم ونهب أموالهم في وقعة الطف ثم تبركوا باليوم فاتخذوه عيدا وشرعوا صومه تبركا به ووضعوا له فضائل وبركات ، ودسوا أحاديث تدل على أنه كان عيدا إسلاميا بل من الأعياد العامة التي كانت تعرفه عرب الجاهلية واليهود والنصارى منذ بعث موسى وعيسى ، وكل ذلك لم يكن ، وليس اليوم ذا شأن ملي حتى يصير عيدا مليا قوميا مثل النيروز أو المهرجان عند الفرس ، ولا وقعت فيه واقعة فتح أو ظفر حتى يصير يوما إسلاميا كيوم المبعث ويوم مولد النبي ، ولا هو ذو جهة دينية حتى يصير عيدا دينيا كمثل عيد الفطر وعيد الأضحى فما باله عزيزا بلا سبب؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت