فهرس الكتاب

الصفحة 2598 من 4314

قال: ولذلك لم يعطف الجدال في الآية على ما تقدمه بل غير السياق وقيل:"و جادلهم بالتي هي أحسن". وفيه غفلة عن حقيقة القياس الجدلي فالإفحام وإن كان غاية للقياس الجدلي لكنه ليس غاية دائمية فكثيرا ما يتألف قياس من مقدمات مقبولة أو مسلمة وخاصة في الأمور العملية والعلوم غير اليقينية كالفقه والأصول والأخلاق والفنون الأدبية ولا يراد به الإلزام والإفحام.

على أن في الإلزام والإفحام دعوة كما أن في الموعظة دعوة وإن اختلفت صورتها باختلاف الطرق نعم تغيير السياق لما في الجدال من معنى المنازعة والمغالبة.

قوله تعالى:"و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين"قال في المفردات ، العقوبة والعقاب والمعاقبة تختص بالعذاب ، انتهى.

والأصل في معناه العقب وهو مؤخر الرجل وعقيب الشيء وعاقبة الأمر ما يليه من ورائه أو آخره ، والتعقيب الإتيان بشيء عقيب شيء ومعاقبتك غيرك أن تأتي بما يسوءه عقيب إتيانه بما يسوءك فينطبق على المجازاة والمكافأة بالعذاب.

فقوله:"و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به"الخطاب فيه للمسلمين - على ما يفيده السياق - ولازمه أن يكون المراد بالمعاقبة مجازاة المشركين والكفار ، وبقوله:"عوقبتم به"عقاب الكفار إياهم ومجازاتهم لهم بما آمنوا بالله ورفضوا آلهتهم.

والمعنى: وإن أردتم مجازاة الكفار وعذابهم فجازوهم على ما فعلوا بكم بمثل ما عذبوكم به مجازاة لكم على إيمانكم وجهادكم في الله.

وقوله:"و لئن صبرتم لهو خير للصابرين"أي صبرتم على مر ما عوقبتم به ولم تعاقبوا ولم تكافئوا لهو خير لكم بما أنكم صابرون لما فيه من إيثار رضا الله وثوابه فيما أصابكم من المحنة والمصيبة على رضا أنفسكم بالتشفي بالانتقام فيكون العمل خالصا لوجهه الكريم ، ولما في الصفح والعفو من إعمال الفتوة ولها آثارها الجميلة.

قوله تعالى:"و اصبر وما صبرك إلا بالله"إلى آخر الآية أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وبشرى له أن الله قواه على الصبر على مر ما يلقاه في سبيله فإنه تعالى يذكر أن صبره إنما هو بحول وقوة من ربه ثم يأمره بالصبر ولازم الأمر قدرة المأمور على المأمور به ففي قوله:"و ما صبرك إلا بالله"إشارة إلى أن الله قواك على ما أمرك به.

وقوله:"و لا تحزن عليهم"أي على الكافرين ، لكفرهم وقد تقدم تفسير هذا المعنى سابقا في السورة وغيرها.

وقوله:"و لا تك في ضيق مما يمكرون"الظاهر أن المراد النهي عن التحرج من مكرهم في الحال أو على سبيل الاستمرار دون مجرد الاستقبال.

قوله تعالى:"إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"أي إن التقوى والإحسان كل منهما سبب مستقل في موهبة النصرة الإلهية وإبطال مكر أعداء الدين ودفع كيدهم فالآية تعليل لقوله:"و لا تك في ضيق مما يمكرون"ووعد بالنصر.

وهذه الآيات الثلاث أشبه مضمونا بالآيات المدنية منها بالمكية وقد وردت روايات من طرق الفريقين أنها نزلت في منصرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أحد وسيأتي في البحث الروائي وإن كان من الممكن توجيه اتصالها بما قبلها بوجه كما تصدى له بعضهم.

ومما يجب أن يتنبه له أن الآية التي قبل الثلاثة أجمع لغرض السورة من هذه الثلاث ، وأن لآيات السورة مع الإغماض عن قوله:"و الذين هاجروا"الآية ، وقوله:"من كفر بالله من بعد إيمانه"إلى تمام بضع آيات ، وقوله:"و إن عاقبتم"إلى آخر السورة ، سياقا واحدا متصلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت