فهرس الكتاب

الصفحة 2556 من 4314

و قوله:"و أوحى ربك إلى النحل"أي ألهمه من طريق غريزته التي أودعها في بنيته ، وأمر النحل وهو زنبور العسل في حياته الاجتماعية وسيرته وصنعته لعجيب ، ولعل بداعة أمره هو الموجب لصرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال:"و أوحى ربك".

وقوله:"أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون"هذا من مضمون الوحي الذي أوحي إليه ، والظاهر أن المراد بما يعرشون هو ما يبنون لبيوت العسل.

وقوله:"ثم كلي من كل الثمرات"الأمر بأن تأكل من كل الثمرات مع أنها تنزل غالبا على الأزهار إنما هو لأنها إنما تأكل من مواد الثمرات أول ما تتكون في بطون الأزهار ولما تكبر وتنضج.

وقوله:"فاسلكي سبل ربك ذللا"تفريعه على الأمر بالأكل يؤيد أن المراد به رجوعها إلى بيوتها لتودع فيها ما هيأته من العسل المأخوذ من الثمرات وإضافة السبل إلى الرب للدلالة على أن الجميع بإلهام إلهي.

وقوله:"يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه"إلخ ، استئناف بعد ذكر جملة ما أمرت به يبين فيه ما يترتب على مجاهدتها في امتثال أمر الله سبحانه ذللا وهو أنه يخرج من بطونها أي بطون النحل"شراب"وهو العسل"مختلف ألوانه"بالبياض والصفرة والحمرة الناصعة وما يميل إلى السواد"فيه شفاء للناس"من غالب الأمراض.

وتفصيل القول في حياة النحلة هذه الحشرة الفطنة التي بنت حياتها على مدنية عجيبة فاضلة لا تكاد تحصى غرائبها ولا يحاط بدقائقها ثم الذي تهيئه ببالغ مجاهدتها وما يشتمل عليه من الخواص خارج عن وسع هذا الكتاب فليراجع في ذلك مظان تحقيقه.

ثم ختم الآية بقوله:"إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون"وقد اختلف التعبير بذلك في هذه الآيات فخص الآية في إحياء الأرض بعد موتها بقوم يسمعون ، وفي ثمرات النخيل والأعناب بقوم يعقلون ، وفي أمر النحل بقوم يتفكرون.

ولعل الوجه في ذلك أن النظر في أمر الموت والحياة بحسب طبعه من العبرة والموعظة ، وهي بالسمع أنسب ، والنظر في الثمرات من حيث ما ينفع الإنسان في وجوده من السير البرهاني من مسلك اتصال التدبير وارتباط الأنظمة الجزئية ورجوعها إلى نظام عام واحد لا يقوم إلا بمدبر واحد وهو للعقل أنسب ، وأمر النحل في حياتها يتضمن دقائق عجيبة لا تنكشف للإنسان إلا بالإمعان في التفكر فهو آية للمتفكرين.

وقد أشرنا سابقا إلى ما في آيات السورة من مختلف الالتفاتات ، وعمدتها في هذه الآيات ترجع إلى خطاب المشركين رحمة لهم وإشفاقا بحالهم وهم لا يعلمون ، والإعراض عن مخاطبتهم لكفرهم وجحودهم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ظاهر مشهود في آيات السورة فلا يزال الخطاب فيها يتقلب بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين المشركين فيتحول منه إليهم ومنهم إليه.

قوله تعالى:"و الله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا"إلخ ، الأرذل اسم تفضيل من الرذالة وهي الرداءة والرذل الدون والرديء ، والمراد بأرذل العمر بقرينة قوله:"لكي لا يعلم"إلخ ، سن الشيخوخة والهرم التي فيها انحطاط قوى الشعور والإدراك ، وهي تختلف باختلاف الأمزجة وتبتدىء على الأغلب من الخمس والسبعين.

والمعنى: والله خلقكم معشر الناس ثم يتوفاكم في عمر متوسط ومنكم من يرد إلى سن الهرم فينتهي إلى أن لا يعلم بعد علم شيئا لضعف القوى ، وهذا آية أن حياتكم وموتكم وكذا شعوركم وعلمكم ليست بأيديكم وإلا اخترتم البقاء على الوفاة والعلم على عدمه بل ذلك على ما له من عجيب النظام منته إلى علمه وقدرته تعالى ، ولهذا علله بقوله:"إن الله عليم قدير".

قوله تعالى:"و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق"إلى آخر الآية ، فضل بعض الناس على بعض في الرزق وهو ما تبقى به الحياة ربما كان من جهة الكمية كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير ، وربما كان من جهة الكيفية كأن يستقل بالتصرف فيه بعضهم ويتولى أمر الآخرين مثل ما يستقل المولى الحر بملك ما في يده والتصرف فيه بخلاف عبده الذي ليس له أن يتصرف في شيء إلا بإذنه وكذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم والأنعام والمواشي بالنسبة إلى مالكها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت