و به يظهر عدم استقامة ما ذكره غير واحد منهم أن الآية مسوقة لرد المشركين من قريش حيث كانوا يزعمون أن البشر لا يصلح للرسالة وأنها لو كانت فهي من شأن الملائكة فالآية تخبر أن السنة الإلهية جرت حسب ما اقتضته الحكمة على أن لا يبعث للدعوة الدينية إلا رجالا من البشر يوحي إليهم المعارف والأوامر والنواهي.
وذلك أن سياق الآيات لا يساعد على ذلك ، ولم يتقدم في الكلام ذكر لقولهم ذلك أو لاقتراحهم بعثة الملائكة للرسالة حتى يوجه الكلام إلى ذلك.
وإنما الذي تقدم هو قول المشركين:"لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء"إلخ وكان مسوقا لإثبات استحالة النبوة لا لكونها من شأن الملائكة.
واستدل بعضهم بالآية على أن الله سبحانه لم يرسل صبيا ولا امرأة ، واستشكل بنبوة عيسى (عليه السلام) في المهد وأجيب بأن النبوة أعم من الرسالة والذي أثبته عيسى لنفسه بقوله:"إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا": مريم: 30 ، هي النبوة دون الرسالة.
وفيه أن الاستدلال المذكور بالآية إنما هو بقوله:"و ما أرسلنا"وهذا الفعل كما يتعلق في القرآن بالرسول كذلك يتعلق بالنبي غير الرسول قال تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي"الآية فلو تم الاستدلال المذكور لدل على حرمان الأطفال والنساء عن الرسالة والنبوة جميعا ، وقد حكى الله عن عيسى (عليه السلام) قوله:"إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا": مريم: 30 ، وقال في يحيى (عليه السلام) :"و آتيناه الحكم صبيا": مريم: 12.
والحق أن الآية:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا"إنما هي في مقام بيان أن الرسل كانوا رجالا من البشر العادي من غير عناية بكونهم أول ما بعثوا للرسالة أفرادا بالغين مبلغ الرجال فالغرض أن نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ويحيى (عليهما السلام) - وهم رسل - كانوا رجالا يوحى إليهم ولم يكونوا أشخاصا مجهزين بقدرة قاهرة غيبية وإرادة إلهية تكوينية.
ويقرب من الآية قوله تعالى: في موضع آخر:"و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين": الأنبياء: 8.
وقوله:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الظاهر أنه خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقومه ، وقد كان الخطاب في سابق الكلام للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة والمعنى موجه إلى الجميع فهو تعميم الخطاب للجميع ليتخذ كل من المخاطبين سبيله فمن كان لا يعلم ذلك كبعض المشركين راجع أهل الذكر وسألهم ومن كان يعلم ذلك كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين به كان في غنى عن الرجوع والسؤال."
وقيل: إن الخطاب في الآية للمشركين فإنهم هم المنكرون فليرجعوا وليسألوا وفيه أن لازم ذلك كون الجملة التفاتا من خطاب الفرد إلى خطاب الجميع ولا نكتة ظاهرة تصحح ذلك والله أعلم.
والذكر حفظ معنى الشيء أو استحضاره ، ويقال لما به يحفظ أو يستحضر قال الراغب في المفردات: الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه والذكر يقال اعتبارا باستحضاره ، وتارة يقال لحضور الشيء في القلب أو القول ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب ، وذكر باللسان ، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ ، انتهى موضع الحاجة.
والظاهر أن الأصل فيه ما هو للقلب وإنما يسمى اللفظ ذكرا اعتبارا بإفادته المعنى وإلقائه إياه في الذهن ، وعلى هذا المعنى جرى استعماله في القرآن غير أن مورده فيه ذكر الله تعالى فالذكر إذا أطلق فيه ولم يتقيد بشيء هو ذكره.
وبهذه العناية أيضا سمي القرآن وحي النبوة والكتب المنزلة على الأنبياء ذكرا ، والآيات في ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها في هذا الموضع.
وقد سمى الله سبحانه في الآية التالية القرآن ذكرا.
فالقرآن الكريم ذكر كما أن كتاب نوح وصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى (عليه السلام) - وهي الكتب السماوية المذكورة في القرآن - كلها ذكر ، وأهلها المتعاطون لها المؤمنين بها أهل الذكر.