و قيل: التبديل هو أنه يزاد في الأرض وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم وتصير مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، وتتغير السماوات بذهاب الشمس والقمر والنجوم وبالجملة يتغير كل من الأرض والسماوات عما هو عليه في الدنيا من الصفات والأشكال.
ومنشأ اختلافهم في تفسير التبديل اختلاف الروايات الواردة في تفسير الآية مع أن الروايات لو صحت واتصلت كان اختلافها أقوى شاهد على أن ظاهرها غير مراد وأن بياناتها واقعة موقع التمثيل للتقريب.
والتدبر الكافي في الآيات التي تحوم حول تبديل الأرض والسماء يفيد أن أمر التبديل أعظم مما تتصوره من بسط الجبل على السهل أو تبديل التراب فضة أو خبزا نقيا مثلا كقوله تعالى:"و أشرقت الأرض بنور ربها": الزمر - 69 وقوله:"و سيرت الجبال فكانت سرابا": النبأ: 20 ، وقوله:"و ترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب": النمل: 88 إن كانت الآية ناظرة إلى يوم القيامة إلى غير ذلك من الآيات.
فالآيات تنبىء عن نظام غير هذا النظام الذي نعهده وشئون دون ما نتصوره فإشراق الأرض يومئذ بنور ربها غير إشراق بسيطها بنور الشمس أو الكواكب أو غيرها ، وسير الجبال ينتهي عادة إلى زوالها عن مكانها وتلاشيها مثلا لا إلى كونها سرابا ، وهكذا نرجو أن يوفقنا الله سبحانه لبسط الكلام في هذا المعنى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله:"و برزوا لله الواحد القهار"معنى بروزهم وظهورهم لله يومئذ - مع كون الأشياء بارزة غير خفية عليه دائما - سقوط جميع العلل والأسباب التي كانت تحجبهم عنه تعالى ما داموا في الدنيا فلا يبقى يومئذ - على ما يشاهدون - شيء من الأسباب يملكهم ويتولى أمرهم ويستقل بالتأثير فيهم إلا الله سبحانه كما يدل عليه آيات كثيرة فهم لا يلتفتون إلى جانب ولا يتوجهون إلى جهة في ظاهرهم وباطنهم وحاضرهم والماضي الغائب من أحوالهم وأعمالهم إلا وجدوه سبحانه شاهدا مهيمنا عليه محيطا به.
والدليل على هذا الذي ذكرناه توصيفه تعالى بالواحد القهار المشعر بنوع من الغلبة فبروزهم لله يومئذ إنما هو ناشىء عن كونه تعالى هو الواحد الذي يقوم به وجود كل شيء ويقهر كل من دونه من مؤثر فلا يحول بينهم وبينه حائل فهم بارزون له بروزا مطلقا.
قوله تعالى:"و ترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار"المقرنين من التقرين وهو جمع الشيء إلى نظيره والأصفاد جمع الصفد وهو الغل الذي يجمع اليد إلى العنق أو هو مطلق السلسلة يقرن بين المقيدين ، والسرابيل جمع السربال وهو القميص والقطران شيء أسود منتن يطلى به الإبل فإنهم يطلون به فيصير كالقميص عليهم والغشاوة بالفتح الستر والتغطية يقال: غشي يغشى غشاوة أي ستره وغطاه ، ومعنى الآيتين واضح.
قوله تعالى:"ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب"معنى الآية واضح ، وهي بظاهرها تدل على أن الذي تجزى به كل نفس هو عين ما كسبته من حسنة أو سيئة وإن تبدلت صورته ، فهي من الآيات الدالة على أن الذي يلحق بهم يوم القيامة هو نتيجة أعمالهم.
فالآية تفسر أولا معنى الجزاء في يوم الجزاء ، وثانيا معنى انتقامه تعالى يومئذ وأنه ليس من قبيل عقوبة المجرم العاصي تشفيا منه بل إلحاق ما يستدعيه عمل المجرم به وإن شئت فقل إيصال ما اكتسبه المجرم بعينه إليه.
وفي تعليل هذا الجزاء وهو في يوم القيامة بقوله:"إن الله سريع الحساب"إيماء إلى أن الجزاء واقع من غير فصل ومهل إلا أن ظرف ظهوره هو ذلك اليوم لا غير ، أو أن الحكم بالجزاء وكتابته واقع عند العمل وتحققه يوم القيامة ومآل الوجهين واحد في الحقيقة.
قوله تعالى:"هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب"البلاغ بمعنى التبليغ على ما ذكره الراغب أو بمعنى الكفاية على ما ذكره غيره.
والآية خاتمة السورة فالأنسب أن تكون الإشارة بهذا إلى ما أورد في السورة من البيان لا إلى مجموع القرآن كما ذكره بعضهم ولا إلى ما ذكر من قوله تعالى:"و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون"إلى آخر السورة كما ذكره آخرون.