و إيضاح المقام أن الإنسان لا بغية له إلا سعادة حياته وحبه لها فطري ، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متفرقة فيما تقدم ، والذي يثبته كتاب الله من أمر الحياة أنها دائمة غير منقطعة بالموت فلا محالة تنقسم بالنظر إلى تخلل الموت إلى حياتين: الحياة الدنيا المؤجلة بالموت والحياة الآخرة بعد الموت ، وهي تتفرع في سعادتها وشقائها على الحياة الدنيا وما يكتسبه الإنسان في الدنيا من ناحية الأعمال الحيوية من حسنة أو سيئة ، ولا مفر للإنسان من هذه الأعمال لما عنده من حب الحياة الفطري.
وهذه الأعمال أعني السنة التي يستن بها الإنسان في حياته الدنيا الكاسبة له التقوى أو الفجور والحسنة أو السيئة هي التي تسمى في كتاب الله دينا وسبيلا ، فلا مفر للإنسان من سنة حسنة أو سيئة ودين حق أو باطل.
ولما كان من سنة الله سبحانه الجارية أن يهدي كل نوع من الأنواع إلى سعادته وكماله ومن كمال الإنسان وسعادته أن يعيش عيشة اجتماعية ويستن بسنة حيوية ، شرع الله سبحانه له دينا مبنيا على فطرته التي فطر عليها وهو سبيل الله الذي يسلكه ودينه الذي يتدين به ، فإن جرى على ما شرعته له الربوبية وهدته إليه الفطرة فقد سلك سبيل الله وابتغاه مستقيما ، وإن اتبع الهوى وصد نفسه عن سبيل الله واشتغل بما يزينه له الشيطان فقد ابتغى سبيل الله عوجا منحرفا.
أما أنه يبتغي سبيل الله فإن الله هو الذي فطره على طلب السبيل وابتغاء الصراط ولا يهدي البتة إلا إلى ما يرتضيه وهو سبيل نفسه ، وأما أنه منحرف ذو عوج فلأنه لا يهدي إلى الحق وما ذا بعد الحق إلا الضلال؟ والآيات القرآنية الدالة على هذا الذي قدمناه متكاثرة لا حاجة إلى إيرادها.
إذا عرفت هذا لاح لك أن قوله في تفسير الكافرين:"الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة"مفاده أنهم يتعلقون تمام التعلق بالحياة الدنيا ويعرضون عن الآخرة بنفيها ، وهو الكفر بالمعاد المستلزم للكفر بالتوحيد والنبوة.
وقوله:"و يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا"مفاده أنهم يكفون أنفسهم عن الاستنان بسنة الله والتدين بدينه أو يصدون ويصرفون الناس عن الإيمان بالله واليوم الآخر والتشرع بشريعته عنادا منهم للحق ، ويطلبون سنة الله عوجا ومنحرفة بالاستنان بغيرها من سنة اجتماعية أيا ما كانت ثم سجل عليهم الضلال بقوله سبحانه: ويظهر بما تقدم فساد قول بعضهم إن المراد بقوله:"يبغونها عوجا"يبغون لها عوجا أي يطلبون لها زيغا واعوجاجا حتى يعيبوها به ويصدوا الناس عنها بسببه.
وقول بعضهم: المعنى يطلبون أن يروا فيها عوجا يكون قادحا فيقدحوا فيها به.
وقول بعضهم: المعنى يطلبون لأهلها أن يعوجوا وينحرفوا بالرد فهو المراد بطلبهم الدين منحرفا ، وانحرافه فساد ما عند المؤمنين من معارفه وفساد هذه الأقوال ظاهر.
قوله تعالى:"و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"إلى آخر الآية.
اللسان هو اللغة ، قال تعالى:"بلسان عربي مبين": الشعراء: 195.
والضمير في"قومه"عائد إلى"رسول"وفي"لهم"إلى"قومه"والمحصل ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قوم ذلك الرسول ليبين لقومه ، ومن الخطإ إرجاع ضمير قومه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليفيد أن الله سبحانه كان يوحي إلى جميع الرسل بالعربية لفساد المعنى بذلك لرجوع ضمير"لهم"إلى"قومه"فيفيد أن الله أنزل التوراة لموسى مثلا بالعربية ليبين للعرب كما في الكشاف.
والمراد بإرسال الرسول بلسان قومه إرساله بلسان القوم الذين كان يعيش فيهم ويخالطهم ويعاشرهم وليس المراد به الإرسال بلسان القوم الذين هو منهم نسبا لأنه سبحانه يصرح بمهاجرة لوط (عليه السلام) من كلدة وهم سريانية اللسان إلى المؤتفكات ، وهم عبرانيون وسماهم قومه وأرسله إليهم ثم أنجاه وأهله إلا امرأته وهي منهم وأهلكهم قال تعالى:"فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي": العنكبوت: 26 وفي مواضع من كلامه تعالى"قوم لوط".