فهرس الكتاب

الصفحة 2371 من 4314

هذا هو الذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى ، وأما حمل هذه المعاني على محض الاستعارة الشعرية أو جعلها مجازا مثلا يراد به انقياد الأشياء لأمره تعالى بمعنى أنها توجد كما شاء أو القول بأن المراد بالظل هو الشخص فإن من يسجد يسجد ظله معه فإن هذه معان واهية لا ينبغي الالتفات إليها.

قوله تعالى:"قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أ فاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا"الآية بما تشتمل على أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاحتجاج على المشركين بمنزلة الفذلكة من الآيات السابقة.

وذلك أن الآيات السابقة تبين بأوضح البيان أن تدبير السماوات والأرض وما فيهما من شيء إلى الله سبحانه كما أن خلقها منه وأنه يملك ما يفتقر إليه الخلق والتدبير من العلم والقدرة والرحمة وأن كل من دونه مخلوق مدبر لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وينتج ذلك أنه الرب دون غيره.

فأمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسجل عليهم نتيجة بيانه السابق ويسألهم بعد تلاوة الآيات السابقة عليهم الكاشفة عن وجه الحق لهم بقوله:"من رب السماوات والأرض"أي من هو الذي يملك السماوات والأرض وما فيهما ويدبر أمرها؟ ثم أمره أن يجيب هو نفسه عن السؤال ويقول:"الله"لأنهم وهم مشركون معاندون يمتنعون عن الإقرار بتوحيد الربوبية وفي ذلك تلويح إلى أنهم لا يعقلون حجة ولا يفقهون حديثا.

ثم استنتج بمعونة هذه النتيجة نتيجة ثانية بها يتضح بطلان شركهم أوضح البيان وهي أن مقتضى ربوبيته تعالى الثابتة بالحجج السابقة أنه هو المالك للنفع والضرر فكل من دونه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فكيف لغيره؟ فاتخاذ أرباب من دون الله أي فرض أولياء من دونه يلون أمر العباد ويملكون لهم نفعا وضرا في الحقيقة فرض لأولياء ليسوا بأولياء لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يملكون لغيرهم ذلك؟.

وهذا هو المراد بقوله مفرعا على السؤال السابق:"قل أ فاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا"أي فكيف يملكون لغيرهم ذلك: أي إذا كان الله سبحانه هو رب السماوات والأرض فقد قلتم باتخاذكم أولياء آلهة من دونه قولا يكذبه نفسه وهو عدم ولايتهم في عين ولايتهم وهو التناقض الصريح بأنهم أولياء غير أولياء وأرباب لا ربوبية لهم.

وبالتأمل فيما قدمناه أن الآية بمنزلة الفذلكة من سابق البيانات يعود مفاد الآية إلى مثل قولنا: إذا تبين ما تقدم فمن رب السماوات والأرض إلا الله؟ أ فاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون نفعا ولا ضرا؟ فالعدول عن التفريع إلى أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: قل كذا وقل كذا وتكراره مرة بعد مرة إنما هو للتنزه عن خطابهم على ما بهم من قذارة الجهل والعناد وهذا من لطيف نظم القرآن.

قوله تعالى:"قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور"مثلان ضربهما الله سبحانه بعد تمام الحجة وإتمامها عليهم وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يضربهما لهم يبين بأحدهما حال المؤمن والكافر فالكافر بالحجة الحقة والآيات البينات غير المسلم لها أعمى والمؤمن بها بصير فالعاقل لا يسوي بينهما ببديهة عقله ، ويبين بالثاني أن الكفر بالحق ظلمات كما أن الكافر الواقع فيها غير بصير والإيمان بالحق نور كما أن المؤمن الأخذ به بصير ولا يستويان البتة فمن الواجب على المشركين إن كان لهم عقول سليمة - كما يدعون - أن يسلموا للحق ويرفضوا الباطل ويؤمنوا بالله وحده.

قوله تعالى:"أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه - إلى قوله - وهو الواحد القهار"في التعبير بقوله:"جعلوا"و"عليهم"دون أن يقال جعلتم وعليكم دليل على أن الكلام مصروف عنهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يؤمر بإلقائه إليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت