قوله تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"الضمير في"أكثرهم"راجع إلى الناس باعتبار إيمانهم أي أكثر الناس ليسوا بمؤمنين وإن لم تسألهم عليه أجرا وإن كانوا يمرون على الآيات السماوية والأرضية على كثرتها والذين آمنوا منهم - وهم الأقلون - ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم متلبسون بالشرك.
وتلبس الإنسان بالإيمان والشرك معا مع كونهما معنيين متقابلين لا يجتمعان في محل واحد نظير تلبسه بسائر الاعتقادات المتناقضة والأخلاق المتضادة إنما يكون من جهة كونها من المعاني التي تقبل في نفسها القوة والضعف فتختلف بالنسبة والإضافة كالقرب والبعد فإن القرب والبعد المطلقين لا يجتمعان إلا أنهما إذا كانا نسبيين لا يمتنعان الاجتماع والتصادق كمكة فإنها قريبة بالنسبة إلى المدينة بعيدة بالنسبة إلى الشام ، وكذا هي بعيدة من الشام إذا قيست إلى المدينة قريبة منه إذا قيست إلى بغداد.
والإيمان بالله والشرك به وحقيقتهما تعلق القلب بالله بالخضوع للحقيقة الواجبية وتعلق القلب بغيره تعالى مما لا يملك شيئا إلا بإذنه تعالى يختلفان بحسب النسبة والإضافة فإن من الجائز أن يتعلق الإنسان مثلا بالحياة الدنيا الفانية وزينتها الباطلة وينسى مع ذلك كل حق وحقيقة ، ومن الجائز أن ينقطع عن كل ما يصد النفس ويشغلها عن الله سبحانه ويتوجه بكله إليه ويذكره ولا يغفل عنه فلا يركن في ذاته وصفاته إلا إليه ولا يريد إلا ما يريده كالمخلصين من أوليائه تعالى.
وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبعد منه وهي التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع ، ومن الدليل على ذلك الأخلاق والصفات المتمكنة في النفوس التي تخالف مقتضى ما تعتقده من حق أو باطل ، والأعمال الصادرة منها كذلك ترى من يدعي الإيمان بالله يخاف وترتعد فرائصه من أي نائبة أو مصيبة تهدده وهو يذكر أن لا قوة إلا بالله ، ويلتمس العزة والجاه من غيره وهو يتلو قوله تعالى:"إن العزة لله جميعا"ويقرع كل باب يبتغي الرزق وقد ضمنه الله ، ويعصي الله ولا يستحيي وهو يرى أن ربه عليم بما في نفسه سميع لما يقول بصير بما يعمل ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وعلى هذا القياس.
والمراد بالشرك في الآية بعض مراتبه الذي يجامع بعض مراتب الإيمان وهو المسمى باصطلاح فن الأخلاق بالشرك الخفي.
فما قيل: إن المراد بالمشركين في الآية مشركوا مكة في غير محله ، وكذا ما قيل: إنهم المنافقون ، وهو تقييد لإطلاق الآية من غير مقيد.
قوله تعالى:"أ فأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون"الغاشية صفة سادة مسد الموصوف المحذوف لدلالة كلمة العذاب عليه ، والتقدير عقوبة غاشية تغشاهم وتحيط بهم.
والبغتة الفجأة.
وقوله:"و هم لا يشعرون"حال من ضمير الجمع أي تفاجئهم الساعة في إتيانها والحال أنهم لا يشعرون بإتيانها لعدم مسبوقيتها بعلامات تعين وقتها وتشخص قيامها والاستفهام للتعجيب ، والمعنى أن أمرهم في إعراضهم عن آيات السماء والأرض وعدم إخلاصهم الإيمان لله وتماديهم في الغفلة عجيب أ فأمنوا عذابا من الله يغشاهم أو ساعة تفاجئهم وتبهتهم؟.
قوله تعالى:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"لما ذكر سبحانه أن محض الإيمان به والإخلاص التوحيد له عزيز المنال وهو الحق الصريح الذي تدل عليه آيات السماوات والأرض أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبين لهم أن سبيله هو الدعاء إلى هذا التوحيد على بصيرة.
فقوله:"هذه سبيلي"إعلان لسبيله ، وقوله:"أدعوا إلى الله على بصيرة"بيان للسبيل ، وقوله:"و سبحان الله"اعتراض للتنزيه ، وقوله:"و ما أنا من المشركين"تأكيد لمعنى الدعوة إلى الله وبيان أن هذه الدعوة ليست دعوة إليه تعالى كيف كان بل دعوة على أساس التوحيد الخالص لا معدل عنه إلى شرك أصلا.
وأما قوله:"أنا ومن اتبعني"فتوسعة وتعميم لحمل الدعوة وأن السبيل وإن كانت سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مختصة به لكن حمل الدعوة والقيام به لا يختص به بل من اتبعه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم بها لنفسه.