و أما ما في الآية من تعليل خلق السماوات والأرض بقوله:"ليبلوكم أيكم أحسن عملا"ونظائره الكثيرة في القرآن فإنما هو وأمثاله من قبيل التعليل بالفوائد المترتبة والمصالح المتفرعة وقد أخبر تعالى أن فعله لا يخلو من الحسن إذ قال:"الذي أحسن كل شيء خلقه:"الم السجدة: - 7 ، فهو سبحانه هو الخير لا شر فيه وهو الحسن لا قبح عنده وما كان كذلك لم يصدر عنه شر ولا قبيح البتة.
وليس مقتضى ما تقدم أن يكون معنى الحسن هو ما صدر عنه تعالى أو الذي أمر به وإن استقبحه العقل ، ومعنى القبيح هو ما لا يصدر عنه أو الذي نهى عنه وإن استحسنه العقل واستصوبه فإن ذلك يأباه أمثال قوله تعالى:"قل إن الله لا يأمر بالفحشاء:"الأعراف: - 28.
قوله تعالى:"و لئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين"لما كان قوله:"ليبلوكم"إلخ ، يشير إلى المعاد أشار إلى ما كان يواجه به الكفار ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) للمعاد برميه بأنه سحر من القول.
فظاهر الآية أنهم كما كانوا يسمون لفظ القرآن الكريم بما فيه من الفصاحة وبلاغة النظم سحرا ، كذلك كانوا يسمون ما يخبر به القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حقائق المعارف التي لا يصدقه أحلامهم كالبعث بعد الموت سحرا ، وعلى هذا فهو من مبالغتهم في الافتراء على كتاب الله والتعنت والعناد مع الحق الصريح حيث تعدوا عن رمي اللفظ لفصاحته وبلاغته بالسحر إلى رمي المعنى لصحته واستقامته بالسحر.
ومن الممكن أن يكون المراد بالسحر المغالطة والتمويه بإظهار الباطل في صورة الحق على نحو إطلاق الملزوم وإرادة اللازم لكن لا يلائمه ظاهر قوله تعالى في نظير المورد:"قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون:"المؤمنون: - 89.
قوله تعالى:"و لئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه"إلى آخر الآية.
اللام في صدر الآية للقسم ولذلك أكد الجواب أعني قوله:"ليقولن"باللام والنون والمعنى: وأقسم لئن أخرنا عن هؤلاء الكفار ما يستحقونه من العذاب قالوا مستهزءين: ما الذي يحبس هذا العذاب الموعود عنا ولما ذا لا ينزل علينا ولا يحل بنا.
وفي هذا إشارة أو دلالة على أنهم سمعوا من كلامه تعالى أو من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يوعدهم بعذاب لا محيص منه وإن الله أخر ذلك تأخيرا رحمة لهم فاستهزءوا به وسخروا منه بقولهم:"ما يحبسه"ويؤيده قوله تعالى عقيب ذلك:"ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم"إلخ.
وبهذا يتأيد أن السورة - سورة هود - نزلت بعد سورة يونس لمكان قوله تعالى فيها:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط"إلى آخر الآيات.
وقوله:"إلى أمة معدودة"الأمة الحين والوقت كما في قوله تعالى:"و قال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة:"يوسف: - 45 أي بعد حين ووقت.
وربما أمكن أن يراد بالأمة الجماعة فقد وعد الله سبحانه أن يؤيد هذا الدين بقوم صالحين لا يؤثرون على دينه شيئا ويمكن عند ذلك للمؤمنين دينهم الذي ارتضى لهم قال:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم:"المائدة: - 54 ، وقال:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم - إلى أن قال - يعبدونني لا يشركون بي شيئا:"النور: - 55 ، وهذا وجه لا بأس به.
وقيل: إن المراد بالأمة الجماعة وهم قوم يأتي الله بهم بعد هؤلاء فيصرون على الكفر فيعذبهم بعذاب الاستئصال كما فعل بقوم نوح ، أو هم قوم يأتون بعد هؤلاء فيصرون على معصية الله فتقوم عليهم القيامة.
والوجهان سخيفان لبنائهما على كون المعذبين غير هؤلاء المستهزءين من الكفار وظاهر قوله تعالى:"ألا يوم يأتيهم"إلخ ، إن المعذبين هم المستهزءون بقولهم:"ما يحبسه".