قوله تعالى:"قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أ فلا تعقلون"أدراكم به أي أعلمكم الله به ، والعمر بضمتين أو بالفتح فالسكون هو البقاء ، وإذا استعمل في القسم كقولهم: لعمري ولعمرك تعين الفتح.
وهذه الآية تتضمن رد الشق الأول من سؤالهم وهو قولهم:"ائت بقرآن غير هذا"ومعناها على ما يساعد عليه السياق: أن الأمر فيه إلى مشية الله لا إلى مشيتي فإنما أنا رسول ولو شاء الله أن ينزل قرآنا غير هذا ولم يشأ هذا القرآن ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فإني مكثت فيكم عمرا من قبل نزول القرآن وعشت بينكم وعاشرتكم وعاشرتموني وخالطتكم وخالطتموني فوجدتموني لا خبر عندي من وحي القرآن ، ولو كان ذلك إلي وبيدي لبادرت إليه قبل ذلك ، وبدت من ذلك آثار ولاحت لوائحه ، فليس إلي من الأمر شيء ، وإنما الأمر في ذلك إلى مشية الله وقد تعلقت مشيته بهذا القرآن لا غيره أ فلا تعقلون؟.
قوله تعالى:"فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون"استفهام إنكاري أي لا أحد أظلم وأشد إجراما من هذين الفريقين: المفتري على الله كذبا ، والمكذب بآياته فإن الظلم يعظم بعظمة من يتعلق به وإذا اختص بجنب الله كان أشد الظلم.
وظاهر سياق الاحتجاج في الآيتين أن هذه الآية من تمامها والمعنى: لا أجيبكم إلى ما اقترحتم علي من الإتيان بقرآن غير هذا أو تبديله فإن ذلك ليس إلي ولا لي حق فيه ، ولو أجبتكم إليه لكنت أظلم الناس وأشدهم إجراما ولا يفلح المجرمون فإني لو بدلت القرآن وغيرت بعض مواضعه مما لا ترتضونه لكنت مفتريا على الله كذبا ولا أظلم منه ، ولو تركت هذا القرآن وجئتكم بغيره مما ترتضونه لكنت مكذبا لآيات الله ، ولا أظلم منه.
وربما احتمل كون الاستفهام الإنكاري بشقيه تعريضا للمشركين أي أنتم أظلم الناس بإثباتكم لله شركاء وهو افتراء الكذب على الله وبتكذيبكم بنبوتي والآيات النازلة علي وهو تكذيب بآيات الله ولا يفلح المجرمون.
وذكر بعضهم أن الأول من شقي الترديد للنبي على تقدير إجابتهم والثاني للمشركين ، أي لا أحد أظلم عند الله من هذين الفريقين: المفترين على الله والمكذبين بآياته ، وأنا أنعى عليكم الثاني منهما فكيف أرضى لنفسي بالأول وهو شر منه؟ وأي فائدة لي من هذا الإجرام العظيم وأنا أريد الإصلاح؟.
والذي ذكره من المعنى لا بأس به في نفسه لكن الشأن في استفادته من الآية ودلالة لفظها عليه ، وكذا الوجه السابق عليه بالنظر إلى السياق.
قوله تعالى:"و يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله"إلى آخر الآية الكلام: موجه نحو عبدة الأصنام من المشركين وإن كان ربما شمل غيرهم كأهل الكتاب بحسب سعة معناه ، وذلك لمكان"ما"وكون السورة مكية من أوائل ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القرآن.
وقد كانت عبدة الأصنام يعبدون الأصنام ليتقربوا بعبادتها إلى أربابها وبأربابها إلى رب الأرباب وهو الله سبحانه ، ويقولون:"إننا على ما بنا من ألواث البشرية المادية وقذارات الذنوب والآثام لا سبيل لنا إلى رب الأرباب لطهارة ساحته وقدسها ولا نسبة بيننا وبينه."
فمن الواجب أن نتقرب إليه بأحب خلائقه إليه وهم أرباب الأصنام الذين فوض الله إليهم أمر تدبير خلقه ، ونتقرب إليهم بأصنامهم وتماثيلهم وإنما نعبد الأصنام لتكون شفعاء لنا عند الله لتجلب إلينا الخير وتدفع عنا الشر فتقع العبادة للأصنام حقيقة ، والشفاعة لأربابها وربما نسبت إليها.
وقد وضع في الكلام قوله:"ما لا يضرهم ولا ينفعهم"موضع الأصنام للتلويح إلى موضع خطئهم في مزعمتهم ، وهو أن هذا السعي إنما كان ينجح منهم لو كانت هذه الأصنام ضارة نافعة في الأمور وكانت ذوات شعور بالعبادة والتقرب حتى ترضى عن عبادها بعبادتهم لها فتشفع أو يشفع أربابها لهم عند الله إن كان الله يرتضي شفاعتهم وهؤلاء أجسام ميتة لا تشعر بشيء ولا تضر ولا تنفع شيئا.