فهرس الكتاب

الصفحة 1939 من 4314

و يمكن أن يفهم من قوله:"و إن جهنم لمحيطة بالكافرين"الإحاطة بالفعل دون الإحاطة الاستقبالية كما تهدي إليه الآيات الدالة على تجسم الأعمال.

قوله تعالى:"إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل"المراد بالحسنة والسيئة بقرينة السياق ما تتعقبه الحروب والمغازي لأهلها من حسنة الفتح والظفر والغنيمة والسبي ، ومن سيئة القتل والجرح والهزيمة.

وقوله:"يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل"كناية عن الاحتراز عن الشر قبل وقوعه كأن أمرهم كان خارجا من أيديهم فأخذوه وقبضوا وتسلطوا عليه فلم يدعوه يفسد ويضيع.

فمعنى الآية إن هؤلاء المنافقين هواهم عليك: إن غنمت وظفرت في وجهك هذا ساءهم ذلك ، وإن قتلت أو جرحت أو أصبت بأي مصيبة أخرى قالوا قد احترزنا عن الشر من قبل وتولوا وهم فرحون.

وقد أجاب الله سبحانه عن ذلك بجوابين اثنين في آيتين: قوله:"قل لن يصيبنا"إلخ وقوله:"قل هل تربصون"إلخ.

قوله تعالى:"قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون"محصله أن ولاية أمرنا إنما هي لله سبحانه فحسب - على ما يدل عليه قوله:"هو مولانا"من الحصر - لا إلى أنفسنا ولا إلى شيء من هذه الأسباب الظاهرة ، بل حقيقة الأمر لله وحده وقد كتب كتابة حتم ما سيصيبنا من خير أو شر أو حسنة أو سيئة ، وإذا كان كذلك فعلينا امتثال أمره والسعي لإحياء أمره والجهاد في سبيله ولله المشية فيما يصيبنا في ذلك من حسنة أو سيئة فما على العبيد إلا ترك التدبير وامتثال الأمر وهو التوكل.

وبذلك يظهر: أن المراد بقوله:"و على الله فليتوكل المؤمنون"ليس كلاما مستأنفا بل معطوف على ما قبله متمم له ، والمعنى أن ولاية أمرنا لله ونحن مؤمنون به ، ولازمه أن نتوكل عليه ونرجع الأمر إليه من غير أن نختار لأنفسنا شيئا من الحسنة والسيئة فلو أصابتنا حسنة كان المن له وإن أصابتنا سيئة كانت المشية والخيرة له ، ولا لوم علينا ولا شماتة تتعلق بنا ، ولا حزن ولا مساءة يطرأ على قلوبنا.

وقد قال تعالى:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم:"الحديد: - 23 ، وقال:"ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه:"التغابن: - 11 وقال:"ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا:"سورة محمد: - 11 ، وقال:"و الله ولي المؤمنين:"آل عمران: - 68 ، وقال:"فالله هو الولي:"الشورى: - 9.

والآيات - كما ترى - تتضمن أصول هذه الحقيقة التي تنبىء عنه الآية التي نتكلم فيها جوابا عن وهم المنافقين ، وهي أن حقيقة الولاية لله سبحانه ليس إلى أحد من دونه من الأمر شيء فإذا آمن الإنسان به وعرف مقام ربه علم ذلك وكان عليه أن يتوكل على ربه ويرجع إليه حقيقة المشية والخيرة فلا يفرح بحسنة أصابته ، ولا يحزن لسيئة أصابته.

ومن الجهل أن يسوء الإنسان ما أصابت عدوه من حسنة أو يسره ما أصابته من سيئة فليس له من الأمر شيء ، وهذا هو الجواب الأول عن مساءتهم بما أصاب المؤمنين من الحسنة وفرحهم بما أصابتهم من السيئة.

وظاهر كلام بعض المفسرين أن المولى في الآية بمعنى الناصر ، وكذا ظاهر كلام بعضهم: أن قوله:"و على الله فليتوكل المؤمنون"جملة مستأنفة أمر الله فيها المؤمنين بالتوكل عليه ، والسياق المشهود من الآيتين لا يساعد عليه.

قوله تعالى:"قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم"الآية الحسنيان هما الحسنة والسيئة على ما يدل عليه الآية الأولى الحاكية أنهم يسوؤهم ما أصاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حسنة ، وتسرهم ما أصابه من سيئة فيقولون قد أخذنا أمرنا من قبل فهم على حال تربص ينتظرون ما يقع به وبالمؤمنين من الحسنة أو السيئة.

والحسنة والسيئة كلتاهما حسنيان بحسب النظر الديني فإن في الحسنة حسنة الدنيا وعظيم الأجر عند الله ، وفي السيئة التي هي الشهادة أو أي تعب وعناء أصابهم مرضاة الله وثواب خالد دائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت