كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا فكانوا إياها يعني الملائكة. قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استدبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وكانا قد قتلا يوم أحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري ، وقال: أعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحب إلي من سمعي وبصري فقلت: أشهد أنك رسول الله ، وأن الله أطلعك على ما في نفسي. وقسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الغنائم بالجعرانة وكان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ، ومن الإبل والشاة ما لا يدرى عدته. قال أبو سعيد الخدري: قسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمتألفين من قريش ومن سائر العرب ما قسم ، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: ما أنا إلا امرؤ من قومي فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فجمعهم فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار أ ولم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف بين قلوبكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. ثم قال: أ لا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ فقالوا: وما نقول؟ وبما ذا نجيبك؟ المن لله ولرسوله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك ، وخائفا فآمناك ، ومخذولا فنصرناك. فقالوا: المن لله ولرسوله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير ، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ولو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم ، وقالوا: رضينا بالله ورسوله قسما ثم تفرقوا. وقال أنس بن مالك: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر مناديا فنادى يوم أوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ، ولا غير الحبالى حتى يستبرأن بحيضة. ثم أقبلت وفود هوازن وقدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجعرانة مسلمين فقام خطيبهم وقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت خير المكفولين ثم أنشد أبياتا. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أي الأمرين أحب إليكم: السبي أو الأموال؟ قالوا: يا رسول الله خيرتنا بين الحسب وبين الأموال ، والحسب أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أما الذي لبني هاشم فهو لكم وسأكلم لكم المسلمين وأشفع لكم فكلموهم وأظهروا إسلامكم. فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الهاجرة قاموا فتكلموا فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : قد رددت الذي لبني هاشم والذي بيدي عليهم فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل ومن كره أن يعطي فليأخذ الفداء وعلي فداؤهم فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء. وأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مالك بن عوف وقال: إن جئتني مسلما رددت إليك أهلك ومالك ولك عندي مائة ناقة فخرج إليه من الطائف فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل واستعمله على من أسلم من قومه.