و لذلك عقب قوله:"إن الأرض لله"الآية بقوله:"و العاقبة للمتقين"العاقبة ما يعقب الشيء كالبادئة لما يبدأ بالشيء ، وكون العاقبة مطلقا للمتقين من جهة أن السنة الإلهية تقضي بذلك وذلك أنه تعالى نظم الكون نظما يؤدي كل نوع إلى غاية وجوده وسعادته التي خلق لأجلها فإن جرى على صراطه الذي ركب عليه ، ولم يخرج عن خط مسيره الذي خط له بلغ غاية سعادته لا محالة ، والإنسان الذي هو أحد هذه الأنواع أيضا حاله هذا الحال إن جرى على صراطه الذي رسمته له الفطرة واتقى الخروج عنه والتعدي منه إلى غير سبيل الله بالكفر بآياته والإفساد في أرضه هداه الله إلى عاقبته الحسنة ، وأحياه الحياة الطيبة ، وأرشده إلى كل خير يبتغيه.
قوله تعالى:"قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا"الإتيان والمجيء في الآية بمعنى واحد ، والاختلاف في التعبير للتفنن ، وما قيل إن المعنى من قبل أن تأتينا بالآيات ومن بعد ما جئتنا لا دليل على ما فيه من التقدير.
على أن غرضهم إظهار أن مجيء موسى وقد وعدوا أن الله ينجيهم بيده من مصيبة الإسارة وهاوية المذلة لم يؤثر أثره فإن الأذى الذي كانوا يحملونه ويؤذون به على حاله ، ولا تعلق لغرضهم بأنه أتاهم بالآيات البتة.
وهذا الكلام شكوى منهم يبثونها إلى موسى (عليه السلام) .
قوله تعالى:"قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون"وهذا جواب من موسى عن قولهم:"أوذينا"إلخ ، يسليهم به ويعزيهم بالرجاء ، وهو في الحقيقة تكرار لقوله السابق:"استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله"الآية.
كأنه يقول: ما أمرتكم به أن اتقوا الله في سبيل مقصدكم كلمة حية ثابتة فإن عملتم بها كان من المرجو أن يهلك الله عدوكم ، ويستخلفكم في الأرض بإيراثكم إياها ولا يصطفيكم بالاستخلاف اصطفاء جزافا ، ولا يكرمكم إكراما مطلقا من غير شرط ولا قيد بل ليمتحنكم بهذا الملك ويبتليكم بهذا التسليط والاستخلاف فينظر كيف تعملون ، قال تعالى:"و تلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء": آل عمران: 140.
وهذا مما يخطىء به القرآن ما يعتقده اليهود من كرامتهم على الله كرامة لا تقبل عزلا ، ولا تحتمل شرطا ولا قيدا ، والتوراة تعد شعب إسرائيل شعب الله الذي لهم الأرض المقدسة كأنهم ملكوها من الله سبحانه ملكا لا يقبل نقلا ولا إقالة.
قوله تعالى:"و لقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات"السنون جمع سنة وهي القحط والجدب ، وكان أصله سنة القحط ثم قيل: السنة إشارة إليها ثم كثر الاستعمال حتى تعينت السنة لمعنى القحط والجدب.
والله سبحانه يذكر في الآية - ويقسم - أنه أخذ آل فرعون وهم قومه المختصون به من القبطيين بالقحوط المتعددة ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون.
وهما نوعان من الآيات التي أرسلها الله إلى آل فرعون ، وظاهر السياق أنه أرسل ما أرسل منهما فصلا فصلا ، ولذا جمع السنين ولا يصدق الجمع إلا مع الفصل بين سنة وسنة.
على أنه يقول:"فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه"الآية.
وظاهره الحسنة التي بعد السيئة ثم السيئة التي بعد هذه الحسنة.
قوله تعالى:"فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه"إلى آخر الآية.
كانوا إذا جاءهم الخصب ووفور النعمة وسعة الرزق بعد ارتفاع السنة ونقص الثمرات قالوا:"لنا هذه"يريدون به الاختصاص وإنما قلنا: إنهم كانوا يقولون ذلك بعد ارتفاع السنة ونقص الثمرات لأن الإنسان بحسب الطبع لا ينتقل إلى ذكر النعمة بما هي نعمة ، ولا يتنبه لقدرها إلا بعد مشاهدة النقمة التي هي خلافها ، ولا داعي يدعو آل فرعون إلى ذكر النعمة الحسنة وتخصيصها بأنفسهم لو لا أنهم رأوا خلافها وعدوه أمرا بدعا لم يكونوا رأوه قبل ذلك فاطيروا بموسى ومن معه ثم إذا بدلت السيئة حسنة عدوها لأنفسهم فالتطير عند السيئة بحسب الوقوع قبل قولهم في الحسنة: لنا هذه وإن كان الأمر بحسب الطبع على خلاف ذلك بمعنى أنهم لو لم يزعموا ولم يرتكز في نفوسهم من اعتيادهم بالرفاهية ووفور النعمة والخصب أنهم مخصوصون بذلك يملكونه لم يتطيروا بموسى عند نزول المصيبة عليهم فإن من لم تروحه الراحة والعافية لا يتحرج عن خلافهما.