فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 4314

بيان ذلك: أن الله سبحانه قرر في كلامه لنوع الإنسان بل لجميع من سواه سبيلا يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": الإنشقاق - 6 وقال تعالى:"و إليه المصير: التغابن - 3 ، وقال:"ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى - 53 ، إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة الدلالة على أن الجميع سالكوا سبيل ، وأنهم سائرون إلى الله سبحانه."

ثم بين: أن السبيل ليس سبيلا واحدا ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين ، فقال:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم": يس - 61.

فهناك طريق مستقيم وطريق آخر وراءه ، وقال تعالى"فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون": البقرة - 186 ، وقال تعالى:"ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين": غافر - 60 ، فبين تعالى: أنه قريب من عباده وأن الطريق الأقرب إليه تعالى طريق عبادته ودعائه ، ثم قال تعالى في وصف الذين لا يؤمنون:"أولئك ينادون من مكان بعيد": السجدة - 44 فبين: أن غاية الذين لا يؤمنون في مسيرهم وسبيلهم بعيدة.

فتبين: أن السبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف ، قال تعالى:"إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء": الأعراف - 40.

ولو لا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو ، وقال تعالى:"و من يحلل عليه غضبي فقد هوى": طه - 81 والهوي هو السقوط إلى أسفل ، فهناك طريق آخر أخذ في السفالة والانحدار ، وقال تعالى:"و من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل": البقرة - 108 ، فعرف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضل ، وعند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلاثة أقسام: من طريقه إلى فوق وهم الذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته ، ومن طريقه إلى السفل وهم المغضوب عليهم ، ومن ضل الطريق وهو حيران فيه وهم الضالون ، وربما أشعر بهذا التقسيم قوله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلاث أعني: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين فهو من الطريق الأول الذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلا أن قوله تعالى:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة - 11.

يدل على أن نفس الطريق الأول أيضا يقع فيه انقسام.

وبيانه: أن كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى:"و من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل": البقرة - 108.

وفي هذا المعنى قوله تعالى"أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا": يس - 62.

والقرآن يعد الشرك ظلما وبالعكس ، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن الشيطان لما قضي الأمر:"إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم": إبراهيم - 22.

كما يعد الظلم ضلالا في قوله تعالى"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام - 82 وهو ظاهر من ترتيب الاهتداء والأمن من الضلال أو العذاب الذي يستتبعه الضلال ، على ارتفاع الظلم ولبس الإيمان به ، وبالجملة الضلال والشرك والظلم أمرها واحد وهي متلازمة مصداقا ، وهذا هو المراد من قولنا: إن كل واحد منها معرف بالآخر أو هو الآخر ، فالمراد المصداق دون المفهوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت