اتخاذ منهج للآخرة من عند اللّه،واتخاذ منهج للدنيا من عند الناس وإيقاع هذا الفصام النكد بين منهج اللّه وحياة الناس! [1]
ب.وما دامتْ ربانيةٌ من الله عز وجلَّ فإنها مبرأةٌ من النقصِ،سالمةٌ من العيب،بعيدةٌ عن الحيفِ والظلم،لأنَّ اللهَ له المثل الأعلى في السماوات والأرض:
قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (90) سورة النحل.
وقال تعالى: {...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا..} (3) سورة المائدة.
وقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء.
ج-.ومادامتْ ربانيةً فهي التي تشبعُ جَوعةَ الفطرةِ للعبادةِ لا يسدُّها إلا منهاجُ الله،ولا تملأُها النظمُ الفلسفيةُ،ولا السلطانُ السياسيُّ،ولا الثراءُ الماليُّ:
قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (30) سورة الروم
هذا التوجيه لإقامة الوجه للدين القيم يجيء في موعده،وفي موضعه،بعد تلك الجولات في ضمير الكون ومشاهده،وفي أغوار النفس وفطرتها..يجيء في أوانه وقد تهيأت القلوب المستقيمة الفطرة لاستقباله كما أن القلوب المنحرفة قد فقدت كل حجة لها وكل دليل،ووقفت مجردة من كل عدة لها وكل سلاح..وهذا هو السلطان القوي الذي يصدع به القرآن.السلطان الذي لا تقف له القلوب ولا تملك رده النفوس.
«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا» ..واتجه إليه مستقيما.فهذا الدين هو العاصم من الأهواء المتفرقة التي لا تستند على حق،ولا تستمد من علم،إنما تتبع الشهوات،والنزوات بغير ضابط ولا دليل..أقم وجهك للدين حنيفا مائلا عن كل ما عداه،مستقيما على نهيه دون سواه: « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» ..وبهذا يربط بين فطرة
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 930)