فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 240

حتى إذا وجدت هذه القلوب،التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطي بلا مقابل - أي مقابل - وأن تنتظر الآخرة وحدها موعدًا للفصل بين الحق والباطل.حتى إذا وجدت هذه القلوب،وعلم الله منها صدق نيّتها على ما بايعت وعاهدت،آتاها النصر في الأرض،وائتمنها عليه.لا لنفسها،ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه،ولم تتطلع إلى شئ من الغنم في الأرض تعطاه.وقد تجردت لله حقًا يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه.

وكل الآيات التي ذكر فيها النصر،وذكر فيها المغانم،وذكر فيها أخذ المشركين في الأرض بأيدي المؤمنين نزلت في المدينة..بعد ذلك..وبعد أن أصبحت هذه الأمور خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه.وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج واقعية في الحياة الإنسانية،تقرره في صورة عملية محددة تراها الأجيال..فلم يكن جزاء على التعب والنصب والتضحية والآلام،إنما كان قدرًا من قدر الله تكمن وراءه حكمة نحاول رؤيتها الآن !

وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله،في كل أرض وفي كل جيل.فهي كفيلة بأن تريهم معالم الطريق واضحة بلا غبش،وأن تثبِّت خطى الذين يريدون أن يقطعوا الطريق إلى نهايته،كيفما كانت هذه النهاية.ثم يكون قدر الله بدعوته وبهم ما يكون،فلا يتلفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء،وبالعرق والدماء،إلى نصر أو غلبة،أو فيصل بين الحق والباطل في هذه الأرض..ولكن إذا كان الله يريد أن يصنع بهم شيئًا من هذا لدعوته ولدينه فسيتم ما يريده الله..لا جزاء على الآلام والتضحيات..لا،فالأرض ليست دار جزاء..وإنما تحقيقًا لقدر الله في أمر دعوته ومنهجه على أيدي ناس من عباده يختارهم ليمضي بهم من الأمر ما يشاء،وحسبهم هذا الاختيار الكريم،الذي تهون إلى جانبه وتصغر هذه الحياة،وكل ما يقع في رحلة الأرض من سراء أو ضراء [1]

وهو الذي دفع المشطة لتثبت أمام جبروت فرعون ،وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ بِرِيحٍ طَيْبَةٍ،فَقَالَ:يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ ؟ قَالَ:هَذِهِ رِيحُ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ

(1) - معالم في الطريق بتحقيقي ص 151 فما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت