في الباطن..إن للحق والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية.فأما إذا ظل الإيمان مظهرا لم يتجسم في القلب،والحق شعارا لا ينبع من الضمير،فإن الطغيان والباطل قد يغلبان،لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان.. [1]
وهو الذي دفع صاحب يس للصدع بالحق والشهادة في سبيل الله،قال تعالى: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) } [يس:20 - 27]
إن هذه المنهجية الفريدة مع صدق الدعوة وإخلاص التوجه،والحرص على الهداية،وظهور الشجاعة،وترتيب الأفكار،وقوة المنطق ترجع إلى تمكن الإيمان الحقيقي في قلب ذلك الرجل الرباني،كما أن المرسلين الذين استطاعوا أن يضموا إلى موكب الإيمان وقافلة الدعوة مثل هذا الرجل المخلص لَدلَيل على نصر الله لهم وتمكين دعوتهم وظهور حجتهم.إن دعوة الله يستجيب لها من اتصف بصفة الرجولة،وهناك فرق بين الرجولة والذكورة،فإن الذكورة تقابل الأنوثة،فالزوجان هما الذكر والأنثى.
والذكورة صفة جسدية بدنية ليس إلا؛ لكنّ الرجولة تشير إلى الشدة والقوة والتحمُّل والشجاعة والثبات،فهي تشير إلى صفات نفسية،ومزايا معنوية،وفضائل أخلاقية.
ولعله لأجل هذا وردت صفة الرجولة في مقام مدح وثناء وإشارة،قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ...} [القصص:20] .
وقال تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس:20] .
وقال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر:28] .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2342)