مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا .. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة ..
فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف، وإن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب» [1] .
تلك هي كلمة العلم حول معرفتنا عن الإنسان في عصر غطرسة العلم.
وإذا كان الأمر كذلك فقد كان المنع حفاظًا على وقتنا ألا يذهب هدرًا، وحفاظًا على الأمة ألا تكون حقل تجارب، وحفاظًا على كرامة الإنسان ألا يكون عبدًا للإنسان .. وحفاظًا على أن تكون العبودية خالصة لله تعالى.
والإسلام بعد ذلك يلبي حاجة الإنسان، فيقدم له تشريعًا وضعه خالق الناس، لتحقيق ما يصلح لهم.
إنه منهج يقوم على العلم بحقيقة الإنسان، وما يحتاجه .. يحقق العدل المطلق، ويتناسق مع ناموس الكون كله، ويتيح للإنسان أن يتحرر من كل عبودية لغير الله تعالى.
إنها نعمة الله تعالى على الفكر، أن وفر عليه جهودًا مضنية ما كانت لتأتي بأي ثمرة .. وبهذا يتفرغ الفكر لما هو من واجباته.
تعد معرفة ساحة عمل الفكر أولى جماليات هذا المنهج التي أضفاها على العقل، وقد لا نشعر بقيمة ذلك إلا عندما نتعرف على الضياع الذي عاش فيه الفكر الإنساني - ويعيشه - في كثير من بقاع الأرض ... إذ يخبط خبط عشواء غير متبين للطريق وغير عارف لحدود مهمته، وقد جرَّ ذلك الويلات العظام على بني الإنسان.
وحديثنا عن «جماليات الفكر» لن يخرج بنا عن الحدود الجمالية التي رسمها المنهج والتي سبق الحديث عنها في «الظاهرة الجمالية» [2] .
وللوصول بالعقل إلى جمالياته نطبق السمات العامة لجماليات المنهج:
(1) السلامة من العيوب:
قبل البحث عن أي جمال، لا بد من التأكد من السلامة من العيوب، وقد بذل الإسلام جهده في تخليص الفكر من كل ما يعيبه، وقد رأينا كيف حرره من كل ما يعيق حركته .. حتى وصل به إلى التحرر الذي ذكرناه، وهو بحد ذاته «سلامة من العيوب» ولكن بعض الشوائب قد تتسلل أحيانًا و وحرصًا على النظافة الكاملة - كما هو شأن الإسلام دائمًا - فقد عالج المنهج هذه الشوائب ونفاها نفيًا تامًا.
(1) ... الإنسان ذلك المجهول ص 16 - 19. ترجمة شفيق أسعد فريد.
(2) ... انظر «الظاهرة الجمالية في الإسلام» للمؤلف. ص 223 - 240.