فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 138

وهذا لا يعني، أبدًا، أن نعطي لأنفسنا الحق في تفسير بعض المظاهر والحكم على الباطن الذي وراءها، فكثير من المظاهر يكون نتيجة لأكثر من حالة باطنة، فإلزام ظاهر ما، أن يكون ناتجًا عن باطن معين قد يكون فيه خطأ كبير.

والمثال الذي نوضح به ذلك. ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» [1] .

إن الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حسن الثوب والنعل، ما كان يظن إلا أن ذلك من الكبر، حتى بين له النبي الكريم هذا المعنى الدقيق.

فالكبر خلق باطن قد ينتج عنه عناية معينة باللباس، ولكن ليست العناية باللباس نتيجة حتمية لكبر.

ولا ينبغي لنا - أيضًا - أن نحول بعض المعاني القلبية إلى مظاهر حسية، فذلك خطأ كبير. ربما أدخل صاحبه في باب الرياء.

فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلًا يطأطئ رقبته، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب [2] .

وجاء في تفسير القرطبي:

دخل أبو محمد - ابن أخي معروف الكرخي - على أبي الحسن بن يسار وعلى أبي محمد جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، صوفت قلبك أو جسمك؟ صوف قلبك والبس الفوهي على الفوهي. «والفوهي: ضرب من الثياب» [3] .

إن أعمال القلوب لا ينبغي أن تحول إلى عمل حسي، لأن ذلك يعني لفت النظر إلى العمل .. وهنا تدخل شبهة الرياء.

تلك جوانب كان لا بد من الإشارة إليها، حتى لا تختلط المعاني ويشتبه علينا الأمر.

الأخلاق الفاضلة نظام كامل يتعامل مع شتى جوانب النفس الإنسانية، ليرتقي بها ارتقاء متوازنًا، بحيث يكون التناسب محققًا بين جوانب النفس.

فالعفة والشجاعة والتقوى والكرم والمروءة .. وسائر خلال الخير .. كل منها يقوم بمهمته في تغطية جانب من جوانب النفس، والارتقاء به.

(1) ... رواه أبو داود ومسلم، والترمذي. جامع الأصول 10/ 614.

(2) ... إحياء علوم الدين 3/ 296.

(3) ... في تفسير الآية 32 من سورة الأعراف 7/ 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت